تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المأمول — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
الثاني : أنّ ما ورد من الحديث القدسي من قوله مضمونا : « إنّ مشيئة العبد بمشيئة اللّه تعالى ، فاللّه أولى بحسنات العبد منه والعبد أولى بسيّئاته من اللّه » « 1 » فإنّ هذا الحديث القدسي بظاهره ربما يورد عليه : أنّه إن كان العمل للّه فلا أولوية وإن كان للعبد فلا أولويّة وإن كان أمرا بين الأمرين فلا أولويّة أيضا ، فما معنى هذه الأولويّة المثبتة ؟ والجواب : أنّ ما ذكروا وإن كان صحيحا دقّة ، إلّا أنّ العرف يفرّق في ذلك بين السيّئات والحسنات ، بيان ذلك يتّضح بمثال عرفي نذكره لك : لو أنّ مولى سلّم إلى عبده مالا وأرشده إلى طريق التجارة وحذّره من القمار وما يتلف المال ، فذهب العبد فتاجر بتلك الأموال فربح ربحا عظيما ، فإنّه يقال : إنّ هذا الربح ببركة مولاه العرفي الذي أرشده ودفع إليه المال ، فهو أولى بأن ينسب إليه العمل من نفس العبد . ولو أنّ العبد لعب بها قمارا وكان المولى يعلم ذلك مع ذلك ينسب اللوم إلى ذلك العبد فيكون أولى بسيّئاته عرفا من سيده . وهكذا في اللّه تعالى عينا حرفا بحرف ، بل أولى كما لا يخفى على اولي البصائر ؛ إذ جميع النعم من اللّه ، بخلاف المولى العرفي ، فافهم .

بقي الكلام في معنى روايتين :

إحداهما : « الناس معادن كمعادن الذهب » وقد رواها الصدوق قدّس سرّه في توحيده « 2 » . والظاهر من معناها : أنّ الناس يختلفون في القرب إلى المعاصي والبعد عنها ، فمن تربّى في دار لا يرى فيها غير الطاعات الصادرة من أبويه الصالحين أقرب إلى الطاعة ممّن تربّى في دار لا يرى فيها غير الفسق والفجور ، فإنّه أقرب إلى الفسق والفجور من الأولى ، وهذا أمر معلوم بالوجدان وليس له مدخليّة في كون الفعل الذي يفعله مجبورا عليه .
هامش
( 1 ) الكافي 1 : 252 ، الحديث 6 ، عيون أخبار الرضا عليه السّلام : 143 ، الحديث 46 . ( 2 ) لم نعثر عليه في التوحيد نعم رواها في الفقيه 4 : 380 ، الرقم 5821 .