تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المأمول — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
بقي الكلام في أنّ الشيء الواحد كيف يكون تنتزع منه هذه الأمور المتكثّرة ؟ إذ كما لا يعقل أخذ الجامع من أمور متشتتة كذلك لا يمكن أن يكون الشيء الواحد منشأ لأمور كثيرة . وجوابه : أنّ كثرتها لفظيّة لا حقيقيّة وإلّا فهي في الحقيقة شيء واحد وإنّما الاختلاف في الأسماء ، فهي نظير قول القائل : عباراتنا شتّى . . . توضيح الإشكال أن يقال : كما أنّ أخذ الجامع من أمور متكثّرة على تكثّرها مستحيل ، بل لا بدّ له من جهة مشتركة حتّى بلحاظها يصحّ أخذ الجامع وانتزاعه منها ، كذلك لا يمكن انتزاع مفاهيم متعدّدة من شيء واحد بسيط ليس فيه نقص ولا تركيب أصلا ، فكيف يمكن انتزاع عالم وقادر وحيّ وغيرها منه على بساطته ؟ والجواب : أنّ الألفاظ موضوعة للماهيّات الصرفة الغير المقيّدة بالوجود والعدم فقد تكون موجودة وقد تكون معدومة ، وقد ذكروا في أوّل علم الكلام وفي كثير من موارد علم الفلسفة أنّ أوّل ما يدركه الإنسان أنّه موجود ، والثاني ممّا يدركه أنّه غير غيره ؛ ولذا ترى أحد أفراده يغضب إذا غصب منه شيء مع أنّه لا وجه له لولا إدراك أنّه غير غيره ؛ إذ لو لم يدرك ذلك فأيّ فرق بين أن يأخذه هو أو يأخذه شخص آخر ؟ إذ كلاهما حينئذ غيران ، فلا مرجّح لأحدهما على الآخر أصلا . وحينئذ فجواب هذه الشبهة هو أنّ المفاهيم المتعدّدة لا يمتنع انتزاعها من الشيء البسيط إذا كانت باعتبارات متعدّدة ، فباعتبار أنّه هو الذي منه يستمدّ الوجود في جميع الأشياء وإليه ينتهي ، ينتزع منه القدرة ، وباعتبار انكشاف جميع الأشياء عليه ينتزع منه العلم فيقال عالم . وحينئذ فانتزاع المفاهيم المتعدّدة ممكنة من البسيط كما ينتزع من الطول الخاصّ مثلا أنّه أطول من كذا وأقصر من كذا باختلاف اعتبار المعتبر كما هو واضح . وبالجملة ، فالاختلاف في المفاهيم لا يضرّ بوحدة المصداق ولا ببساطته .
غاية المأمول — صفحة 213 | السيد الخوئي