تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة الأصول — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
إلّا أنّ الدقّة في مجموع كلام المقرّر من الصدر إلى الذيل لعلّها ترشد إلى أنّ مقصوده ليس تخصيص الوجوب بالمقدّمة المأتيّ بها بقصد التوصّل ، بل مقصوده تنقيح ما ذكرناه سابقا في مسألة الطهارات الثلاث من أنّ عباديّة المقدّمات ووقوعها امتثالا إنّما تتحقّق بإتيانها بداعي الأمر النفسيّ المتعلّق بذيها وبقصد التوصّل بها إليه ، لا بقصد أمرها الغيريّ الترشّحيّ . وبالجملة ، ليس مقصوده دخالة قصد التوصّل في وقوع المقدّمة على صفة الوجوب ، وإنّما المقصود دخالة ذلك في وقوعها امتثالا للأمر ومقرّبا إلى ساحة المولى كما في الطهارات الثلاث « 1 » . وكيف كان ، يمكن توجيه القول باعتبار قصد التوصّل في مصداقيّة المقدّمة للواجب بأنّ ذلك من جهة أمرين : أحدهما : رجوع الحيثيّات التعليليّة إلى الحيثيّات التقيّديّة في الأحكام العقليّة . ومقتضاه هو أنّ الواجب بحكم العقل هو التوصّل لا الشيء لغاية التوصّل . والآخر : أنّ التوصّل إذا كان بعنوانه واجبا ، فما لم يصدر هذا العنوان عن قصد واختيار لا يقع مصداقا للواجب ، وإن حصل منه الغرض مع عدم القصد والعمد إليه . أورد المحقّق الأصفهانيّ على الأوّل بأنّ الأحكام العقليّة على قسمين : أحدهما : العمليّة ومباديها هو بناء العقلاء على الحسن والقبح ومدح فاعل بعض الأفعال وذمّ فاعل بعضها الآخر . وموضوع الحسن مثلا هو التأديب لا الضرب لغاية التأديب ، إذ ليس هناك بعث من العقلاء لغاية ، بل مجرّد بنائهم على المدح والممدوح هو التأديب . وثانيهما : النظريّة لا تتكفّل فيه إلّا الإذعان بالواقع . ( والمقام من قبيل الثاني ) ، إذ من الواضح أنّ العقل لا يتكفّل فيه إلّا الإذعان بالواقع . ومن الواضح أنّ الإرادة التشريعيّة على طبق الإرادة التكوينيّة ؛ فكما أنّ الإنسان إذ أراد شراء اللّحم يريد المشي إلى السوق ، والأوّل لغرض مترتّب على الشراء والثاني لغرض مترتّب على المشي إلى السوق ، كذلك إذا وقع الأمران طرفا للإرادة التشريعيّة ، فإنّ المولى لا يريد
هامش
( 1 ) نهاية الأصول : 1 / 192 .