تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
والخلاصة ان الاستصحاب قد يجري في الحكم وموضوعه معا كمثال الشك في إسلام زيد وحياته ، وقد لا يجري فيهما معا كالشك في الحكم للشك في موضوعه المردد بين أمرين ، وقد يجري في الموضوع دون الحكم كالشك في الحكم المسبب عن الشك في بقاء موضوعه المعين ، وقد يجري في الحكم دون الموضوع . وفي جميع الحالات قد تكون وحدة الموضوع في القضيتين واضحة ظاهرة لا تحتاج إلى مقياس ومعيار ، ولا كلام لنا في ذلك ، وإنما محل البحث هنا فيما لو شككنا في هذه الوحدة لذهاب صفة من صفات موضوع الحكم ، أو عروض صفة جديدة عليه كالمجتهد العادل الذي قلّدته العوام في أمور دينها : ثم صار ضريرا بعد أن كان بصيرا ، أو غنيا بعد أن كان فقيرا ، وشككنا في جواز البقاء على تقليده للشك في أن هذا الطارئ العارض : هل غيّر موضوع الحكم وجعله متعددا بعد أن كان واحدا ؟ . إذا حدث شيء من ذلك فبأيّ شيء نميّز وحدة الموضوع في القضيتين عن تعدده ؟ وما هو المعيار الذي يدلنا على ذلك ؟ . هل هو العقل أو الشرع أو العرف ؟ . هذا هو محل البحث والكلام . ليس من شك ان ميدان العقل هو العلم والفلسفة والموضوعات الرياضية ، ولا شأن له باللغة وموضوعاتها والألفاظ ومسمياتها ، واما الشرع فبيانه هو المعتمد الأول إن وجد وإلا رجعنا إلى العرف ، فأيّ مورد تكون القضية المشكوكة هي عين القضية المتيقنة في نظرهم - جرى الاستصحاب ، حتى مع الاحتمال المعاكس ، إلا أن يدل دليل من الشرع على الخلاف ، لأن الشارع خاطب الناس بلغتهم ، وترك تحديد أغراضه ومقاصده إلى ما يفهمونه من ظاهر كلامه ، ولو أراد غير الظاهر العرفي لوجب عليه التعريف والبيان بمنطق الحكمة وبديهة العقل . وهذه الحقيقة لا تقبل الجدال والنقاش ، ومن هنا شاع في حوار العلماء والطلاب « ان الأحكام تتبع الأسماء ، وتدور مدارها وجودا وعدما » ومعنى هذه الجملة أن الأحكام تتعلق بالمعاني والمسميات العرفية ، ولا صلة لها بالمختبرات العلمية والدقة العقلية - مثلا - إذا قال الشارع : « وأنزلنا من السماء ماء طهورا » ثم تغير طعم هذا الماء بطول المكث ، أو لونه بما تحمله اليه الريح من أوراق الشجر وغيرها - قالوا : هذا الماء الذي أنزله اللّه من السماء صار كدرا بعد أن كان
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 395 | محمد جواد مغنية