تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
فلا نرى أي بأس في هذا الاحتياط ، ونعتقد بحسنه شرعا وعقلا بشهادة الفطرة والبديهة والنصوص المؤيدة والمحبذة بعد العلم بأن هذه العبادة مشروعة في دين اللّه ، وان فاعلها حريص على مرضاته تعالى ، وأن الامتثال يكون بالعلم تارة ، وبالظن طورا ، وحينا بالاحتمال ، على حسب حال المكلف ، كما سبقت الإشارة . وعلى ذلك جرت سيرة الفقهاء قولا وعملا . وقال قائل : إن الفقهاء لم يفتوا بجواز الاحتياط في العبادة لمجرد الشك فيها واحتمال وجوبها كيف اتفق ، ومن أي مصدر جاء وحصل ، كلا ، وانما أفتوا بالاحتياط في العبادة شريطة أن يتولد احتمال وجوبها أو الأمر بها من خبر ضعيف دل على وجوب هذه العبادة ، حيث تكون ، وهذي هي الحال ، مستحبة بنفسها ومطلوبة بالذات ، وليس من جهة الاحتياط ، وعليه يصح - كما يدعي هذا القائل - الإتيان بها مطلقا حتى ولو لم يقصد بها الأمر المحتمل . اما المبرر للأخذ بالخبر الضعيف مع العلم بوهنه - فقاعدة التسامح بأدلة السنن التي لها مدركها في الأخبار الصحيحة . وفي التنبيه التالي نتحدث عن هذا التسامح وضعفه .

التنبيه الثاني التسامح بأدلة السنن

المراد بالسنن هنا المستحبات ، أو كل ما هو مشروع في مقابل البدعة ، والمراد بالتسامح في أدلتها أن كل ما دل خبر الضعيف على رجحانه واستحبابه فهو راجح ومستحب تماما كما لو دل عليه خبر الثقة وغيره من الأدلة الصحيحة . وليس معنى هذا أن خبر الضعيف حجة ، كلا ، لأن الحجة لا تتجزأ ، بل معناه أن الضعيف يقدّم البلاغ ويوجده ، وان في البلاغ من حيث هو مصلحة تبرر العمل به أيا كان المخبر والمبلّغ . هذا ما نسب إلى المشهور ، واستدلوا عليه بروايات ، منها : « من بلغه عن النبي ( ص ) شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له ، وان كان رسول اللّه ( ص ) لم يقله » . ووجه الدلالة أن الثواب مترتب على العمل بعد البلاغ ، وان العامل استحق هذا الثواب على طاعته ، ولا طاعة إلا مع وجود الأمر ،