تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
ومثاله أن يغتسل الشاك في الجنابة بداعي الأمر المحتمل . وتسأل : لا شك في أن مراتب الامتثال وصوره أربع على الترتيب ، ولكن هذه المراتب أثر وفرع لعلم المكلف بوجود التكليف وشعوره بالمسئولية عنه ووجوب الخروج عن عهدته بكل طريق ممكن بالعلم وإلا فبالظن وإلا فبالاحتمال ، وهذا غير ما نحن فيه ، لأن محل الكلام الجاهل الشاك في أصل التكليف ، وأين هذا من العالم به ؟ . الجواب : أجل ، ان المكلف لا يعلم بوجود الطلب ، ولكنه يحتمل وجوده كما هو الفرض ، والطلب المحتمل يبرر الامتثال بالاحتمال ، هذا إلى أن العلم الإجمالي بوجوب العبادة المرددة بين فردين أو أكثر - يوجب الاحتياط حتما بالاتفاق ، مع العلم بأن المكلف يأتي بكل فرد من أفراد الشبهة بداعي احتمال وجوبه الخاص ، لأن الواجب مجهول لديه ، ولكنه يرجو أن يكون هذا الفرد المحتمل ضالته التي يطلبها ، وإذا ساغ الامتثال في شبهة العلم الإجمالي ، بداعي الأمر المحتمل يسوغ أيضا الاحتياط بهذا الداعي في كل شبهة حتى ما كان منها ابتداء ، لاتحاد السبب الموجب ، والفرق تحكّم . والخلاصة أن أي تعبد للّه بفعل من الافعال على أنه من دين اللّه وشريعته ، ولم يكن لفعله هذا شبيه ونظير فيما جاء به محمد ( ص ) ولا عليه شاهد ودليل من الكتاب والسنة - فهو بدعة وضلالة ، ما في ذلك ريب ، سواء أتقرب به المتعبد على سبيل القطع أو الظن أو الوهم والاحتمال . وإذا لم يكن شيء من ذلك ولا ما يشبهه من قريب أو بعيد - كما هو البحث والقصد - وإنما أتى البالغ الراشد بعبادة مشروعة ومفروضة بضرورة الدين كالصلاة ، أتى بها أولا كفريضة واجبة عليه وعلى كل مكلف ، ثم احتمل وتوهم حدوث خلل في هذه الصلاة التي أداها الآن ، أو فيما مضى وفات من صلاته ، وأراد أن يعيدها خوفا من اللّه سبحانه ، ويأتي بها برجاء المحبوبية وداعي الأمر المحتمل ، إذا كان ذلك فهل لأحد أن يقول له : إياك أن تعيد الصلاة لأن شرعية العبادة وصحتها تتوقف على علم اليقين بالأمر بها ، وأنت لا تعلم بهذا الأمر ؟ . هذي هي الحجة الوحيدة عند من أشكل ومنع الاحتياط في العبادة ، أما نحن
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 272 | محمد جواد مغنية