تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وإذا كان لديك إناءان في أحدهما خل ، وفي الثاني خمر ، واشتبها عليك مع علمك بأن الأول حلال والثاني حرام - سميت هذه الشبهة بالمحصورة ، وهي خارجة عما نحن بصدده ، ويأتي حديثها في باب الاحتياط ان شاء اللّه . وإذا علمت بإباحة الخل وحرمة الخمر ، ولكن جهلت هوية هذا السائل الخاص : هل هو خل أو خمر - سميت الشبهة موضوعية لأن الحكم معلوم ، والموضوع مجهول على عكس الشبهة الحكمية . وبديهي ان الشارع لا شأن له ببيان الموضوعات لترجع اليه ، بل ترجع في ذلك إلى العرف والخبرة ، وما زلت على ذكر - وقد مضى أكثر من أربعين عاما - أن الأستاذ حين بحث لنا الشبهة الموضوعية قال من جملة ما قال : أنت لا تذهب إلى الشارع وتقول له : هل أنا جنب أو طاهر ؟ وإنما تسأله عن حكم الجنب وكيفية التطهير من الجنابة . ونحن الآن بصدد هذه الشبهة وبيان حكمها ، ولا شك وخلاف من أخباري أو غيره في أن حكم الشبهة التحريمية الموضوعية هو عدم الاحتياط والترخيص بالفعل والترك للعديد من الروايات ، منها : « كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال » فإن ظاهرها يدل بصراحة ان حكم المردد بين الحلال والحرام هو حلال . وتجدر الإشارة إلى أمرين : الأول أن أصل الإباحة في الشبهة الموضوعية مشروط بأن لا يكون هناك أصل موضوعي حاكم على أصل الإباحة وإلا وجب العمل بهذا الأصل ، ومثاله أن يشك المرء في جواز النظر إلى امرأة لا يدري هل هي من النسوة اللائي يسوغ له النظر إليهن أو هي أجنبية عنه ؟ . ولا يجري هنا أصل الإباحة ، لأن جواز النظر إلى أية امرأة مشروط بأمر وجودي ، وهي أن تكون زوجة أو من المحارم ، ويكفي لنفي الشرط الوجودي مجرد الشك فيه . وكذلك لو حصل الشك في أن هذا اللحم مذكى أو غير مذكى فإن أصل التذكية حاكم على أصل الإباحة . الأمر الثاني أن الشبهة الحكمية لا يجري فيها أصل الإباحة إلا بعد الفحص واليأس من العثور على الدليل ، أما الشبهة الموضوعية فلا يجب فيها الفحص عن حقيقة الموضوع . وتسأل : لما ذا وجب الفحص في الشبهة الحكمية دون الموضوعية ؟ . الجواب : أولا : لقيام الإجماع على وجوب الفحص في تلك دون هذه .
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 267 | محمد جواد مغنية