الجواب :
أولا : إن العقل يدرك حسن بعض الأشياء كالصدق والعدل ، وقبح بعضها كالكذب والظلم ، ولكن هناك أمورا كثيرة لا يدرك العقل احكامها سلبا ولا ايجابا ، بل يترك الحكم فيها إلى خالق الكون والعقل ، كشكل العبادات وحقوق الزوجين والأبوين والميراث والزنا ، وما إلى ذلك كثير ، والشرط الأساسي فيها أن لا يرفضها العقل وينكرها لا أن يحكم بها مستقلا عن الشرع . وتكلمنا عن ذلك مفصلا في كتاب النبوة والعقل ، فصل : النبوات .
ثانيا : ان الامامية كما آمنوا بالعقل واحكامه أيضا آمنوا بهذه القاعدة كدين وعقيدة ، وهي « السمعيات - الأحكام الشرعية - ألطاف في العقليات » أي ان الأحكام العقلية وحدها لا تقرب العبد من طاعة اللّه ، وتبتعد به عن معصيته تعالى ، لأن العقل في الأكثر الأغلب تطغى عليه الأهواء ، ولا يطاع له حكم ، فاحتاج إلى من يؤازره ويناصره بالتأييد والتوكيد تارة ، وبالوعد والوعيد تارة أخرى ، فكان الدين مع شريعته هو هذا المؤازر والمناصر ، وبيانه الحجة الكافية على من شاكس وعاكس ، بالإضافة إلى أن العقل لا يدرك كل الاحكام كما أشرنا .
أدلة الأخباريين
واستدل الأخباريون على وجوب الاحتياط بالكتاب ، ومنه - على زعمهم - الآيات الناهية عن القول بغير علم مثل
« وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
- 36 الإسراء » والجواب ان وجوب الاحتياط حكم بلا علم ، أما القول بالبراءة فهو علم بالبينات التي عرضناها قبل قليل .
وأيضا استدلوا بالسنّة مثل الروايات الآمرة بالتوقف عند الشبهات ، ومنها « انما الأمور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتبع ، وأمر بيّن غيه فيجتنب ، وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات ، وهلك من حيث لا يعلم » حيث دلت هذه الرواية على وجوب الاحجام عن الشبهة . وقريب منها قول المعصوم : « إذا لم تدروا فعليكم الاحتياط حتى تسألوا . . أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت » إلى كثير من أشباه ذلك ونظائره .