تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضوابط الأصول — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
ذلك كما في صوم الشّيخ والشّيخة والمرضعة القليلة اللّبن وفي لبث المرأة للزوج المفقود مائة وعشرين سنة وكما في قضية إبراهيم ع فهذه اقسام ستة الأول الفعل الغير المقدور ولا شك في عدم جواز التكليف به سواء كانت الاستحالة ذاتية أم عرضية نعم لو نشأ عدم القدر من سوء اختيار المكلّف فهو يدخل في مسئلة انّه هل الامتناع بالاختيار مناف مع الاختيار أم لا ينافيه فحيثما بيننا الامر في تلك المسألة على عدم المنافاة فنحكم بجواز تعلق التكليف لأجل محض العقاب على الترك بمعنى الفعل تجويز ذلك كما في من قطع يده ولم يقدر بسببه على الوضوء وكمن دخل الدار غصبا باختياره فهنا لا نستوحش من العقاب على المكلّف لو انصرف الادلّة على المحبوبيّة إلى حالة عدم الامكان كذلك وامّا إذا لم تنصرف الأدلة فلا عقاب شرعا وان صح العقاب عقلا لان العقل بجواز العقاب لا انه يلزمه ومع عدم الانصراف لا دليل على العقاب فعلا وان أمكن عقلا ثم الدليل على عدم جواز التكليف بغير المقدور وهو العقل القاطع والاجماع حتى من الأشعري فان قلت الأشعري يجوز التكليف بما لا يطاق فكيف جعلته من المجمعين على عدم الجواز هنا قلنا إن الأشعري انما يقول بجواز التكليف بما لا يطاق فيما هو مقدور على اعتقادنا كالافعال الصّادرة من العباد من الصلاة وغيرها فالأشعري يقول إن كل فعل غير مقدور للمكلّف فهذه التكاليف كلّها تكليف بما لا يطاق ونحن نقول انّها مقدور فالتكليف ليس تكليفا بما لا يطاق فالنزاع مع الأشعري وامّا صغرى فيما إذا كان الصّغرى وفاقيا بان يكون الفعل غير مقدور حتى على مذهبنا كالطيران إلى السماء فالأشعري أيضا لا يجوز هنا التكليف بما لا يطاق وما نحن فيه من الأخير الثّانى ان يكون الفعل مقدورا بلا مشقة فلا ريب في جواز التكليف به للاتفاق ولأنه لو لم يجز التكليف بهذا القسم لم يجز التكليف بسائر الاقسام أيضا فينسد باب التكليف وهو مح للضرورة الثالث ان يكون الفعل مقدورا مع مشقة يتحمل عادة وهذا أيضا يجوز به التكليف كأغلب تكاليف الشرع والدليل عليه الاتفاق مضافا إلى أنه لولا ذلك انسد باب التكليف أيضا في الأغلب لان أغلب الافعال الصّادرة من العباد يكون مع المشقّة وما لا مشقة فيه فهو في غاية النّدرة لا يقال القاعدة يقتضى في هذا القسم عدم الجواز وما خرج فقد خرج بالدّليل وما شك فيه يبقى تحت القاعدة قلنا لو كان كذلك لزم تخصيص الأكثر في القاعدة وهو امّا غلط أو مرجوح الرّابع ان يكون الفعل مقدورا مع مشقة لا يتحمل عادة وموجبة لاختلال النظم فلا شبهة في عدم جوازه للاجماع ولان الغرض من خلق العالم بقاء النظم فهذا التكليف المنافى لبقاء النظم مناف للغرض من الحكيم وهو قبيح ولان الأدلة على نفى العسر والحرج فننفى ذلك على ذلك بل ذلك أقوى من العسر بمراتب ومن نفى العسر يلزم نفيه بطريق أولى الخامس والسادس ان يكون الفعل مقدورا مع مشقة تتحمل عادة مفضية إلى الضرر كالهلاكة أو غير مفضية كصوم الشيخ والشيخة ولبث المرأة المدة الطويلة فلا ريب في عدم جواز تعلق التكليف بهما أيضا لوجوه سبعة الاوّل الاجماع الظنّى على ذلك بل يمكن دعوى الاجماع القطعي على القاعدة بمعنى انتفاء الاجماع على نفى التكليف فيما فيه المشقة الغير المحتملة ما لم يقم دليل اجتهادي على الثبوت فان قلت ما لفرق بين هذا الاجماع والاجماع المدعى على أصل البراءة قلنا الفرق يحصل فيما علم فيه بالتكليف في الواقعة الخاصّة فان هذا الاجماع ينفى التكليف هنا أيضا بخلاف الاجماع المدعى في أصل البراءة الثاني الآيات كقوله تعالى
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
فان من لم يرد العسر على العباد لم يأمرهم به وكقوله تعالى
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
الحرج الضّيق والعسر فان قلت إن الامر الدال على وجوب الصوم مثلا أو الصلاة أو غيرهما أعم من صورة الانجرار إلى العسر كما في الشيخ والشيخة وعدمه والآيات النافية للعسر أعم موردا من الصوم وغيره فالنسبة بين الدّليلين أعم من وجه مادة تعارضهما الصّوم الموجب للعسر فالأمر بالصوم تقتضيه الدلالة تنفيه فلا بدّ من الرجوع إلى المرجح وهو قد يكون مع الدليل على التكليف فكيف حكمت مط بالعمل بالآيات وبالجملة الآيات متعارضة مع الادلّة المثبتة للتكليف قلنا المرجح مع الآيات وستعرفه في الفرائد الآتية الثالث الأخبار المتواترة مع النّافية للتكليف فيما فيه الحرج المعلّلة بعضها بالآيتين السّابقتين ويمكن دعوى التواتر اللّفظى أيضا بمعنى العلم بصدور أحد من تلك الروايات من المعصوم فهو بهذا الاعتبار معارضة مع الادلّة المثبتة للتكليف والنسبة اعمّ من وجه الرّابع الاجماعات المنقولة وهي لما كانت قائلة للاطلاق والتقييد كالأدلة اللّفظية فمعارضة مع الادلّة على التكليف كالسّابق الخامس العقل القاطع لان التكليف فيما فيه المشقة غير المحتملة خلاف الفرض لان الدّاعى على التكليف في الأغلب هو الإطاعة والانقياد فح لو كلف مع العلم بالتحرز وعدم التحمل لزم ما ذكر اعني نقض الغرض وهو مح عن الحكيم على الاطلاق بل عن كلّ عاقل فان قلت هذا الدليل يقتضى القبح العقلي في هذين القسمين من التكليف مع أن وقوعه من الشارع في موارد كثيرة يكشف عن عدم القبح وعدم حصول خلاف الغرض كما في قضية سيّد الشهداء وأصحابه حيث كانوا عالمين بالقتل وما اجابه الفاضل الطبرسي من ذلك في ذيل قوله تعالى
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
حيث إنه ع كان عالما ومع ذلك القى نفسه إلى التّهلكة من أنه ع كان ظانا بالسّلامة لمكانه من رسول اللّه ص فهو في غاية السّقوط لأنه ع كان عالما وأصحابه كانوا عالمين بالقتل كما يؤيّده من نقل من حبيب بن مظاهر فالتحقيق في الجواب انه ع وأصحابه كانوا مأمورين بالقاء النفس إلى التّهلكة لمصلحة حفظ بيضة الاسلام كما دل عليه الاخبار وجرجيس وإبراهيم ع وصبر المرأة على زوجها إلى تمام العمر الطّبيعى والاقتصار على القدر الضروري من التعيش لمن اشتغل ذمته بالفائتة كما قاله المشهور من القدماء وتوهم ان القاعدة يقتضى ما ذكر وقد خرج ما خرج بالدّليل وما بقي مندرج في القاعدة مدفوع بان العقل لا يقبل التخصيص قلنا إن الاستحالة العقلية انما هي فيما لزم خلاف الفرض ولا مخالفة للغرض في واقعة سيّد الشهداء ع
ضوابط الأصول — صفحة 393 | سيد ابراهيم الموسوي القزويني