المعدوم والممتنع قلنا امّا لفظ شريك البادي فلم يوضع للمعدوم بل لفظ الشريك موضوع للموجود كشريك القرآن وشريك زيد وكذلك الباري لفظ اسم اللّه تعالى لكن حصل من تركّب اللّفظين الاطلاق على المعدوم وامّا لفظ المعدوم والممتنع فهما وان كانا موضوعين لغير الموجود لكن عدم الوجود ما ؟ ؟ ؟ في مفهومهما فلا اغراء فيهما بالجهل بخلاف ساير أسماء الأجناس فان قلت لا نم بطلان الاغراء بالجهل إذا كان موقعا في المقصود غيره مضرّ به والمسلّم من قبحه انما هو إذا وقع المخاطب في خلاف المقصود وهنا ليس كذلك لان المأمور انما يأتي بالفرد وهو المقصود الأصلي للمولى وان اعتقد العبد كون الفرد مقدّمة وان المقصود الأصلي الطبيعة الموحدة « 1 » في ضمنه لا خصوص الفرد قلنا إذا كان المط يحصل على التقديرين من الوضع للموجودات والمعدومات فما الدّاعى لوضع الواضع الالفاظ للمعدومات دون الموجودات مع كونه بعيدا عن العاقل الحكيم فذلك يكشف عن أن الواضع يعلم بوجود الطبائع في الخارج فوضع الالفاظ للدلالة عليها
المقام الثّالث في بيان ان حسن الأشياء وقبحها ذاتيان
أم بالوجوه والاعتبارات
فاعلم أن الحسن قد يطلق ويراد به ما يوافق المصلحة والقبح
يطلق على ما يقابل ذلك وهو ما يوافق المفسدة كقولك قتل زيد حسن لأعدائه وقبيح لأوليائه وقد يطلق ويراد به ما يلائم الطبع والقبيح يطلق على ما يقابله وهو منافر الطّبع والنسبة بين المعنيين عموم من وجه وقد يطلق ويراد به صفة الكمال وبالقبح صفة النقص كقولك العلم حسن والجهل قبيح اى صفة كمال ونقص وقد يطلق الحسن على ما يستحقّ فاعله المدح والقبيح على ما يستحقّ فاعله الذمّ وقد يطلق الحسن ويراد به ما لا عيب فيه ولا حرج والقبح على ما يقابله اى ما فيه عيب وحرج تلك الاطلاقات فاعلم أن الأولين منها مما لا خلاف في ادراك العقل إياهما وكذا الثالث فإن كان قد تظهر من بعضهم الشرع فيه ووقع النزاع في ادراك العقل الحسن والقبح بالمعنيين الأخيرين إذا ظهر
إذا عرفت ذلك فاعلم انّهم اختلفوا أولا
في ان الاحكام هل هي تابعة للصّفات الكامنة في الأشياء بمعنى ان لها صفات داعية لتلك الأحكام سواء كانت تلك الصّفات في ذوات الأشياء أو في أوصافها اللّازمة أو بالوجوه الاعتباريّة أم الكلّ متساو ولا صفة فيها أصلا ولكن اللّه يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد واحكامه ليست معلّلة بالاغراض اختار الأشاعرة الأخير والاماميّة والمعتزلة الاوّل فحكموا بان ما حكم به الشرع حكم به العقل وان احكامه تعالى معلّلة بالاغراض
ثم اختلفوا في ان العقل هل يدرك الحسن والقبح الكائنين في تلك الأفعال
بمعنى استحقاق فاعلها المدح والذم أم لا فقدماء الأشاعرة بل كلّهم على الظاهر الّا الزركشي على الأخير وامّا الاماميّة فتبعهم الزركشي في هذا المقام في الحكم بادراك العقل الحسن والقبح بمعنى المدح والذمّ لكن الزّركشى مذهبه في المقام الأول غير معلوم هل هو تابع للاماميّة أم الأشاعرة
ثم اختلفوا في ان العقل بعد القول بادراك المدح والذمّ هل يدرك استحقاق الثواب والعقاب أيضا أم لا والظاهر أن بعض الأخباريين خالف الامامية فحكم بالأخير ثم اختلفوا بعد القول بادراك المدح والذم والثواب والعقاب في انه حجّة أم لا
وهذا هو نزاعهم في كون ما يستقل به العقل حجة أم لا فالمجتهدون كلّهم أو بعضهم على الحجّية بخلاف الأخباريين إذا ظهر ذلك فنقول ان الحق في المقام الاوّل تبعية الاحكام للصّفات وإلا لزم لغويّة تشريع الاحكام وارسال الرّسل إذ لو كانت الافعال بأنفسها وبذواتها مع قطع النّظر عن الامر والنّهى متساوية ولم يكن لها حسن ولا قبح لا بالذات ولا بالوصف اللّازم ولا بالوجوه والاعتبارات بل كان حسنها معلولا للامر وقبحها للنهي لم يكن معنى للامر ببعض منها والنّهى عن آخر فان المختار لا يصدر منه قول ولا فعل الّا لداع وغرض وإذا كانت الافعال متساوية ولم يكن ثمر وداع في فعل بعضها وترك بعضها فلم يأمر ببعض وينهى عن بعض ليكون عبثا فان قلت الداعي لتشريع الاحكام هو حسن إطاعة العباد وانقيادهم للّه تعالى ليستحقوا بالامتثال الثواب وبالمخالفة العقاب فالفعل وان لم يكن له من حيث هو مع قطع النظر من الامر النهى صفة لكن الامر يصير مسببا لاطاعة العبد وإطاعة العبد لمولاه حسن من حيث هو فلا يكون تشريع الاحكام سنخها خاليا عن داع وغرض لكن ليس لكلّ فعل من حيث هو مع قطع النظر عن الامر والنّهى صفة يكون علّة للامر والنهى ومحلّ النزاع انّما هو ذلك قلنا ما ذكرته انّما ينتفى لزوم اللّغو في سنخ ترجيح الاحكام ولكن يلزم الترجيح بلا مرجّح في الخصوصيّات إذ لو كان الغرض مجرّد إطاعة امر المولى وكانت نفس الافعال متساوية فذلك يحصل بتحقق الامر والنّهى عن المولى باىّ وجه اتفق فلم ان الشارع رجح بعض الأفعال على بعض في مقام الطلب فجعل صلاة المغرب مثلا ثلث ركعات والعشاء أربع ركعات مع أن الفرض يحصل بعكس ذلك وجعل الظهرين اخفاتية والعشاءين جهريّة مع امكان العكس إذ المفروض تساوى الافعال بذاتها وان الفرض مجرّد إطاعة العبد وذلك يحصل في العكس أيضا لو امر به فلا بد ان يكون في نفس تلك الأفعال أيضا صفات يقتضى الامر ببعض بالخصوص والنهى عن الآخر بالخصوص
والحقّ في المقام الثاني هو ادراك العقل المدح والذم
كما يشهد به الوجدان
وفي المقام الثالث هو ادراكه للثواب والعقاب
وأيضا للوجدان فلو أحسن أحد إلى ؟ ؟ ؟ الوجه اللّه تعالى حين موته من العطش حكم العقل بداهة بانّه ممدوح ومستحق للثواب وان لم يأمره المولى به وكذا من أساء غاية الإساءة إلى من أحسن اليه غاية ؟ ؟ ؟ الاحسان بحيث لم يصدر يحصل منه الا الاحسان اليه دائما مذموم عند العقل ومحكوم باستحقاق المسئ للعقاب من مولاه اى الحكيم على الاطلاق وكذا من لطم اليتيم بغير سبب يحكم العقل بقبحه واستحقاقه العقاب من الحكيم وان لم ينه عنه
وفي المقام الرابع هو الحجّية والقول بان كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع لوجهين
أحدهما انه بعد تسليم ادراك العقل المدح والثواب والذم والعقاب وقطعه بذلك لا يتصور الشكّ في الحجّية إذ الشكّ في الحجّية معناه الشكّ في استحقاق الثواب والعقاب والمفروض ان العقل قاطع باستحقاقها وان لم يصدر من المولى امر ونهى لساني فكيف يتصور بعد ذلك الشك في الحجّية فلا جرم بعد ذلك من الحكيم بالوجوب والحرمة ونحوهما بمقتضى العقل والعجب من بعض حيث سلم المقامات الثلث وانكر الحجية فان قلت يتصوّر الشكّ المذكور مع القطع المذكور بان يقطع العقل بالحكم الواقعي دون الظاهري والحجية انما هي مرحلة الحكم الظاهري ؟ ؟ ؟ أولا ان العقل كلما قطع بالحكم الواقعي يقطع بالحكم الظاهري أيضا بالوجدان فلا ينفك أحدهما عن الآخر وثانيا سلمنا ان العقل ما قطع الا بالحكم الواقعي ولكن نقول كلّما كان حكما واقعيّا معلوما بالتّفصيل كان حكما ظاهريّا كذلك للأدلة القائمة على حجية الظن العلم وسيجيء ذكرها انش في بحث حجية الظن وثانيهما ان العقل امّا حجة فهو المط وامّا ليس بحجّة فهو ملازم لعدم حجّية الشرع لانّه الدليل على حجّية الشرع كما سيذكر تفصيلا في بحث الادلّة العقلية
إذا عرفت تلك المقامات الأربعة
علمت أنه على مذهب الأشاعرة المنكرين بتبعية الاحكام للصفات والقائلين بانّه تعالى يحكم ما يشاء يمكن ان يكون متعلق الاحكام مرحلة الحكم الظاهري لأن أولا ان العقل كلما قطع بالحكم الواقعي يقطع بالحكم الظاهري أيضا بالوجدان فلا ينفك أحدهما عن الآخر وثانيا سلمنا ان العقل ما قطع الا
هامش
( 1 ) الموجودة