تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة في حجية الظن — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
عن الحق وفارق المنهاج وسقوط قوله معلوم عند من مارس الطرق الفقهية ونظر إلى المستندات الأحكام الشرعية وبالجملة ليس البحث الا مع من يسلّم منّا هذا الأصل فان قلت ما ذكرت من كلام أهل اللغة لا يفيد ظنّا لعدم ظهور صحة مذاهبهم وعدم ثبوت عدالتهم ولا اعتماد على قول غير الثقة قلت صحة المراجعة إلى أصحاب الصّناعات البارزين في صنعتهم البارعين في فنهم فيما اختص بصناعتهم ممّا اتفق عليه العقلاء في كل عصر وزمان فان أهل كل صنعة يسعون في تصحيح مصنوعاتهم وصيانتها وحفظها عن مواضع الفساد ويسدّون مجارى الخلل بحسب كدهم وطاقتهم ومقدار معرفتهم بصنعتهم لئلا يسقط محلهم عند الناس ولا يشتهرون بقلة الوقوف والمعرفة في امرهم وان كان فاسقا ظالما في بعض الأحوال وهذا امر محسوس في العادات مجرب مرتكز في النفوس والطبائع المختلفة نعم صحة المراجعة إلى صاحب الصّنعة تحتاج إلى اختياره والاطلاع على حسن صنعته وجودة معرفته والثقة بقوله وذلك يظهر بالتسامع وتصديق المشاركين في الفن وتعويل أهل الصّنعة عليه ولذلك ترى المشهورين من أهل اللغة يرجعون الناس إليهم في تفسير اللغات الغريبة العربيّة على تفسيراتهم وتعبيراتهم ويستدلون بذلك ويستندون اليه في مبادى الأحكام الشرعية وكتب الأصحاب مشحونة بذلك إلى أن قال ومن هذا الباب مراجعة المسلمين إلى أطباء اليهود والنصارى عند حذاقتهم وثقتهم في صدور الأزمان من غير نكير وهذه القاعدة معمولة بين العامة أيضا فإنهم يرجعون ويستندون في تفسير اللغات إلى اللغوي من الخاصّة كالخليل وابن دريد وابن خالويه وغيرهم ومقتضى كلامه دعوى اتفاق العقلاء على الرّجوع في كل صنعة عند الحاجة إلى أهلها فعلا كما في أكثر أهل الصّنائع وقولا كما في البعض والمرجع إلى دعوى اتفاق العقلاء على الرّجوع في كل صنعة التي اجلها من غير ملاحظة العدالة فضلا عن العدد وعن السيّد السّند العلى القول بعدم اعتبار الظنّ في المقام وهو مقتضى ما صنعه السيّد السّند الصّدر حيث منع عن حجية الظنّ المستند إلى التبادر في اثبات الوضع في بحث الحقيقة الشرعية وقال إلى القول به على القول باعتبار الظنون الخاصّة بعض من تأخر حيث إنه ذكر ان القدر المتيقن من الاتفاق على رجوع العقلاء إلى أصحاب الصّناعات انما هو الرجوع مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة ونحو ذلك لا مطلقا قال ألا ترى ان أكثر علمائنا على اعتبار العدالة فيمن يرجع اليه من أهل الرّجال بل وبعضهم على اعتبار العدد والظاهر اتفاقهم على اشتراط التعدد والعدالة في أهل الخبرة في مسئلة التقويم وغيرها هذا مع أنه لا يعرف الحقيقة من المجاز بمجرّد قول اللغوي فلا ينفع في تشخيص الظواهر فالانصاف ان الرّجوع إلى أهل اللغة مع عدم اجتماع شروط الشّهادة اما في مقامات يحصل العلم بالمستعمل فيه من مجرد ذكر لغوى واحد أو أزيد له على وجه يعلم كونه من المسلمات عند أهل اللغة كما قد يحصل العلم بالمسألة الفقهيّة من ارسال جماعة لها ارسال المسلمات واما في مقامات يتسامح فيها لعدم التكليف الشرعي بتحصيل العلم بالمعنى اللغوي كما إذا أريد تفسير خطبة أو رواية الا يتعلق بتكليف شرعي واما في مقام انسدّ فيه طريق العلم ولا بد من العمل فيعمل بالظن بالحكم الشرعي المستند إلى قول أهل اللغة ولا يتوهم ان طرح قول اللغوي الغير المفيد للعلم في ألفاظ الكتاب والسنة مستلزم لانسداد طريق الاستنباط في غالب الاحكام لاندفاع ذلك بان أكثر موارد اللغات الا ما شذ وندر كلفظ الصّعيد وغيره معلوم من العرف واللغة فالحاجة إلى قول اللغوي الذي لا يحصل العلم بقوله لقلة مواردها لا تصلح سببا للحكم باعتباره لأجل الحاجة نعم كل من عمل بالظن في مطلق الأحكام الشرعية الفرعية يلزمه العمل بالظن بالحكم الناشى من الظنّ بقول اللغوي لكنه لا يحتاج إلى دعوى انسداد باب العلم في اللغات بل لعبرة عنده بانسداد باب العلم في معظم الاحكام فإنه يوجب الرّجوع إلى الظنّ بالحكم الحاصل من الظنّ باللغة وان فرض انفتاح باب العلم فيما عدا هذا المورد من اللغات أقول انّ دعوى ان القدر المتيقن من رجوع العقلاء إلى أصحاب الصناعات انما هو في صورة اجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة في كمال الضعف لوضوح انه لا يلتزم أحد بشرائط الشهادة في الرّجوع إلى البناء والنجار وغيرهما فيما تطرق الحاجة إلى الفعل من أرباب الصناعات كيف لا ويرجعون إلى الكفار في قضاء الوطر كاصلاح الساعة ومعالجة المرض وغيرهما وكذا الحال في الرّجوع إلى المقوم عند تطرق الحاجة إلى القول سواء كان التقويم بالاخبار عن القيمة الفعلية المتعارفة المضبوطة من باب الاخبار بدخول الفرد في الجنس الجيّد أو الردى المعلوم حالهما
رسالة في حجية الظن — صفحة 265 | محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي