وجوب السّورة بقاعدة الاشتغال لكون الظن المشار اليه بعد الشك في اعتباره كالرافع لموضوع قاعدة الاشتغال وهو عدم ثبوت حكم السّورة نظير عدم اعتضاد الاستصحاب الوارد بالمورود فيما لو شك في ورود النجاسة على الماء مثلا حيث إن استصحاب عدم ورود النجاسة وارد بالنسبة إلى استصحاب جواز الشرب ولذا يمانع عن جريانه فلا مجال للاعتضاد وان قلت إنه قد يتأتى التعارض بين قاعدة الاشتغال في المسألة الأصولية وقاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية كما لو علمنا بحرمة شيء بين أشياء ودلت على وجوب كل منها امارات نعلم بحجية إحداها فان مقتضى هذا وجوب الاتيان بالجميع ومقتضى ذلك ترك الجميع قلت إنه ان كان الغرض من العلم بحرمة شيء بين أشياء اجمالا هو العلم بالحرمة اجمالا من باب الشبهة الموضوعية يكون المقصود بالشيء هو الشئ المتشخص فهو خارج عن مورد الكلام إذ الكلام في تعارض قاعده الاشتغال في المسألة الأصولية مع قاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية من باب الشبهة الحكمية والتعارض هنا بين قاعدة الاشتغال في المسألة الأصولية وقاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية بواسطة الشبهة الموضوعية إلّا ان يقال إن المقصود بقاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية اعمّ مما لو كانت من جهة الشبهة الحكمية وما لو كانت من جهة الشبهة الموضوعية والمثال المذكور في الايراد وان كان من باب الشبهة الحكمية الا ان المثال لا يخصص المقال وان كان الغرض العلم بالحرمة من باب الشك الموضوعية يكون المقصود بالشيء هو الشيء الكلى كما هو مقتضى قولك ودلت على وجوب كل منها إذ ليس المدلول عليه بالوجوب الا الشيء الكلى فالمرجع إلى العلم بمخالفة بعض الظنون للواقع وحرمة العمل به إذ العلم بفساد النتيجة يستلزم العلم بفساد المدرك فالمرجع إلى تعارض قاعدة الاشتغال وجوبا وحرمة في العمل بالظنون المشكوك فيها للعلم الاجمالي بوجوب العمل ببعض الظنون وكذا العلم الاجمالي بحرمة العمل ببعض الظنون وقد يقال إن الاحتياط في المسألة الفرعية لا ينافيه الاحتياط في المسألة الأصولية لان الحكم الأصولي المعلوم بالاجمال وهو وجوب العمل بالظن القائم على عدم الوجوب معناه وجوب العمل على وجه ينطبق مع عدم الوجوب ويكفى فيه ان يقع الفعل لا على وجه الوجوب ولا تنافى بين الاحتياط وفعل السّورة لاحتمال الوجوب وكونه لا على وجه الوجوب الواقعي وتوضيح ذلك ان معنى وجوب العمل بالظن وجوب تطبيق عمله عليه فإذا فرضنا انه يدل على عدم وجوب شيء فليس معنى وجوب العمل به إلّا انه لا يتعين عليه ذلك الفعل فإذا اختار فعل ذلك فيجب ان يقع الفعل لا على وجه الوجوب كما لو لم يكن هذا الظنّ وكان غير واجب بمقتضى الأصل لا انه يجب ان يقع على وجه عدم الوجوب إذ لا يتعين في الافعال الغير الواجبة قصد عدم الوجوب نعم يجب التشرع والتدين بعدم الوجوب سواء فعله أو تركه من باب وجوب التديّن بجميع ما علم من الشرع وح فإذا تردد الظنّ الواجب العمل المذكور بين ظنون تعلقت بعدم وجوب أمور فمعنى وجوب ملاحظة ذلك الظنّ المجمل المعلوم اجمالا وجوبه ان لا يكون فعله لهذه الأمور على وجه الوجوب كما لو لم يكن هذه الظنون وكانت هذه الأمور مباحة بحكم الأصل ولذا يستحبّ الاحتياط واتيان الفعل لاحتمال انه واجب ثم إذا فرض العلم الاجمالي من الخارج بوجوب أحد هذه الأشياء على وجه يجب الاحتياط والجمع بين هذه الأمور فيجب على المكلّف الالتزام بفعل كل واحد منها لاحتمال ان يكون هو الواجب وما اقتضاه الظنّ القائم على عدم وجوبه من وجوب ان يكون فعله لا على وجه الوجوب باق بحاله لان الاحتياط في الجميع لا يقتضى اتيان كل منها بعنوان الوجوب الواقعي بل بعنوان انه محتمل الوجوب والظن القائم على عدم وجوبه لا يمنع من لزوم اتيانه على هذا الوجه كما أنه لو فرضنا ظنا معتبرا معلوما بالتفصيل كظاهر الكتاب دل على عدم وجوب شيء لم يناف مؤداه لاستحباب الاتيان بهذا الشيء لاحتمال الوجوب أقول ان مدار المقالة المذكورة على رفع التعارض بين قاعدة الاشتغال في المسألة الأصولية وقاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية ولا يصلح الحال الا بكون الغرض رفع التعارض باختلاف الموضوع بتقريب ان مدار قاعدة الاشتغال في المسألة الأصولية على تطبيق العمل بالنسبة إلى الجواز الواقعي ومدار قاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية على الاتيان بالمشكوك فيه بداعي احتمال الوجوب
رسالة في حجية الظن — صفحة 208
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٢٠٨