تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
نعم ، دور العقلاء هنا هو إدراك ما هو واقع وكائن بعقولهم لا باتّفاقهم وعاداتهم ونحوها . وثانيا بالتجربة ، فإنّنا نستقرئ عدّة مفردات موجودة وواقعيّة ويحكم العقل بحسنها أو بقبحها من دون أن يكون ذلك تابعا لمصلحة أو مفسدة فيها . فلو كان الحسن والقبح تابعين للمصالح والمفاسد لم يكن سبيل للحكم بحسنها وقبحها أصلا ، مع أنّ العقلاء يحكمون بذلك بلا إشكال ، وهذا يدلّ على أنّ الحسن والقبح يتجرّدان عن المصالح والمفاسد ، فهما ليسا تابعين لها بل هما صفتان للفعل في نفسه وذاته ، ممّا يعني أنّهما وصفان واقعيّان يحكم بهما العقل . فمثلا : قد تفرض المصلحة في القبيح أكثر من المفسدة الموجودة فيه ، ومع ذلك يحكم العقل والعقلاء بقبحه لا بحسنه . فإذا كان قتل إنسان واحد فيه مصلحة إنقاذ شخصين من الموت ، فهنا المصلحة في قتله أكبر من المفسدة ، ولكن مع ذلك يحكم بكون قتله قبيحا بقطع النظر عن أي شيء آخر ، وحكمهم بالقبح هنا لا يتناسب مع ما قيل : من أنّ القبح تابع للمفاسد التي يراها العقلاء ، فإنّهم هنا يرون المصلحة الكبيرة ولكنّهم يحكمون بالقبح ، وليس ذاك إلا لأنّ القتل للنفس المحترمة في نفسه ظلم وهو قبيح ذاتا . نعم ، في كثير من الأحيان يكون القبيح ناشئا من المفسدة ، والحسن ناشئا من المصلحة ، ولكنّهما ليسا تابعين للمصالح والمفاسد دائما ، وهذا يكفي للردّ على ما ذكر من كونهما مجعولين عقلائيّين . والمشهور بين علمائنا الملازمة بين الحكم العملي العقلي والحكم الشرعي . وهناك من ذهب « 1 » إلى استحالة حكم الشارع في موارد الحكم العملي العقلي بالحسن والقبح ، فهذان اتّجاهان : أمّا الاتّجاه الأوّل : فقد قرّب بأنّ الشارع أحد العقلاء وسيّدهم ، فإذا كان العقلاء متطابقين بما هم عقلاء على حسن شيء وقبحه فلا بدّ أن يكون الشارع داخلا ضمن ذلك أيضا .
هامش
( 1 ) كصاحب الفصول في الفصول : 337 ، ونسبه المحقّق النائيني في فوائد الأصول 3 : 60 إلى بعض الأخباريّين أيضا .
شرح الحلقة الثالثة — صفحة 440 | الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي