تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
والحاصل : أنّ العقلاء يحكمون بمدح من يفعل الإحسان أو الصدق ، وبذمّ من يفعل الخيانة والكذب ، فالعدل حسن ؛ لأنّ فاعله ممدوح عند العقلاء ، والظلم قبيح ؛ لأنّ فاعله مذموم لدى العقلاء . ووجه الذمّ والمدح هو رعاية المصلحة في حفظ النظام ، أو النوع البشري ، أو وجود المفسدة على النظام والنوع البشري . وهذان الحكمان العقلائيّان كغيرهما من الأحكام العقلائيّة الأخرى من حيث الجعل الاعتباري ، ولكن هذان الأمران متّفق عليهما من العقلاء كافّة في كلّ زمان ومكان ، بينما بقيّة الأحكام العقلائيّة قد يختلف حالها وحكمها باختلاف أحوال الناس واختلاف العصور والأمكنة والعادات والتقاليد ، ممّا يؤثّر على الاختلاف في تشخيص المصالح والمفاسد بنظر العقلاء أو في خفائها أيضا . وهذا التفسير خاطئ وجدانا وتجربة . أمّا الوجدان فهو قاض بأنّ قبح الظلم ثابت بقطع النظر عن جعل أيّ جاعل كإمكان الممكن . وأمّا التجربة فلأنّ الملحوظ خارجيّا عدم تبعيّة الحسن والقبح للمصالح والمفاسد ، فقد تكون المصلحة في القبيح أكثر من المفسدة فيه ، ومع هذا يتّفق العقلاء على قبحه ، فقتل إنسان لأجل استخراج دواء مخصوص من قلبه يتمّ به إنقاذ إنسانين من الموت إذا لوحظ من زاوية المصالح والمفاسد فقط فالمصلحة أكبر من المفسدة ، ومع هذا لا يشكّ أحد في أنّ هذا ظلم وقبيح عقلا . فالحسن والقبح إذا ليسا تابعين للمصالح والمفاسد بصورة بحتة ، بل لهما واقعيّة تلتقي مع المصالح والمفاسد في كثير من الأحيان وتختلف معها أحيانا . الردّ على القول بأنّ الحسن والقبح مجعولان عقلائيّان : أوّلا بالوجدان ، فإنّ العقل يحكم بحسن العدل وقبح الظلم بقطع النظر عن وجودهما في الخارج وصدورهما من الإنسان ، فإنّه بأدنى تأمّل فيهما يدرك حسن الأوّل وقبح الثاني ، ولا يحتاج ذلك إلى برهان ولا إلى تعلّم ولا إلى عادات وتقاليد ؛ نظير إمكان الممكن ، فإنّ العقل بمجرّد أن يلتفت إلى كونه ممكنا يحكم بإمكانه سواء صدر ووقع في الخارج أم لا ، بل هذا الحكم ثابت حتّى لو لم يوجد إنسان في الخارج أصلا ، وليس ذاك إلا لأنّه موجود في الواقع وعالم الأمر .
شرح الحلقة الثالثة — صفحة 439 | الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي