تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
وسلوك عملي يتّصفان بالحسن والقبح ، فهما من الأمور الواقعيّة التي لها ثبوت في عالم الواقع واللوح ونفس الأمر . وهكذا الحال بالنسبة للكذب والصدق فإنّهما بذاتهما وبقطع النظر عن الموانع وحالات التزاحم يتّصفان بالحسن والقبح . والوجدان خير دليل وشاهد على ذلك فإنّ العقل السليم يدرك حسن أو قبح هذه الأشياء ونظائرها . وإذا كان هناك تشكيك فهو في تحقّق الصغرى والمصداق ، بمعنى أنّ الفعل الفلاني هل هو صدق أم لا ؟ وليس التشكيك في أنّ الصدق حسن وإنّما في تطبيقه على مصاديقه في الخارج ، وهذا ليس محلّ الكلام ؛ لأنّه خلاف في الصغريات ، وكلامنا نحن في أصل ثبوت الكبرى أي حكم العقل بحسن الصدق مثلا فهذا ممّا لا يختلف فيه عاقل . بل إنكار واقعيّة الحسن والقبح يؤدّي إلى عدم الإيمان بالشريعة وبالنبوّة وعدم وجوب الطاعة ؛ لأنّه إذا لم يكونا واقعيّين فما هو الدليل على صدق نبوّة النبي الذي يأتي بالمعجزة ؟ ولما ذا يصدّق لو لم يكن ذلك من الكاذب قبيحا ومن الصادق حسنا ؟ وما هو الدليل على وجوب الإطاعة وحرمة المعصية ما لم يكن الأوّل حسنا بذاته والآخر قبيحا ؟ ! الثاني : ذهب البعض إلى أنّ الحسن والقبح من الأمور الاعتباريّة الجعليّة العقلائيّة ، فالعقلاء يحكمون بالحسن والقبح وليسا ذاتيّين للأشياء أو للأفعال بواقعها ؛ بل هما حكمان مجعولان من قبل العقلاء ؛ بمعنى أنّ العقلاء اتّفقوا فيما بينهم على حسن هذا وقبح ذاك تبعا لوجود المصلحة أو المفسدة بلحاظ النوع البشري ، فما يرونه فيه مصلحة يحكمون بكون فعله حسنا وما يرون فيه المفسدة فيحكمون بقبح فعله . فمثلا يحكمون بقبح الضرب للصبي إذا كان للتشفّي ؛ لأنّ فيه مفسدة . بينما لو كان الضرب للتأديب فيحكمون بحسنه ؛ لأنّ فيه المصلحة ، وأمّا ذات الضرب فهو لا يتّصف بالحسن ولا بالقبح بواقعه ، وإنّما الحسن والقبح عنوانان أو وصفان يجعلهما العقلاء على الفعل الواجد للمصلحة أو الواجد للمفسدة . والمصلحة والمفسدة التي يحكم العقلاء بالحسن والقبح في الأفعال هي مصلحة النوع البشري ، كحفظ النظام مثلا وبقاء النوع .