تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
فإنّه لمّا كان هذا الفعل واجبا ووجوبه فعليّ ، فالعقل يحكم بلزوم امتثاله وتحصيل سائر المقدّمات التي يتوقّف عليه الامتثال . إذا هذا الوجوب العقلي متفرّع عن الوجوب الشرعي للواجب . وهذا المقدار ممّا لا إشكال فيه عند الأصوليّين . وإنّما وقع الكلام في دعوى الوجوب الشرعي للمقدّمات ، فهل يحكم الشارع بوجوب المقدّمات أم يكتفي بالإلزام والإيجاب العقلي الثابت لها ؟ ذهب المشهور إلى أنّ إيجاب شيء يستلزم إيجاب مقدّمته أيضا ، فتتّصف المقدّمة بالوجوب الشرعي مضافا إلى الوجوب العقلي ، غير أنّ هذا الوجوب ليس وجوبا نفسيّا ناشئا من مبادئ في نفس المقدّمة ، وإنّما هو وجوب تبعي غيري أي أنّه بتبع الواجب النفسي كان هذا الوجوب . والوجه في ذلك هو أحد أمرين : الأوّل : أن يكون الواجب النفسي هو العلّة لنشوء هذا الواجب الغيري ، فكان الواجب الغيري تابعا للوجوب النفسي من باب تبعيّة المعلول لعلّته . فمن هنا أطلق عليه الوجوب التبعي أي أنّه تابع لغيره وناشئ من غيره . الثاني : أن يكون الوجوب النفسي والوجوب الغيري كلاهما تابعين للملاك الموجود في الواجب النفسي ، بمعنى أنّ الشارع لمّا لاحظ المبادئ من ملاك ومصلحة في الفعل تولّد من ذلك الوجوب النفسي فالوجوب تابع للملاك والمصلحة ، ولمّا لاحظ أنّ هذا الفعل لا يتحقّق إلا بمقدّمات يتوقّف وجوده عليها تولّد منه الوجوب الغيري ، فالوجوب النفسي والغيري كلاهما متولّدان من الملاك القائم في الفعل ، فهو الذي يسبّب وجود الوجوب النفسي المتعلّق بنفس الفعل ووجود الوجوب الغيري المتعلّق بمقدّمات الفعل ، ولذلك فكلاهما تابع للملاك ، فمن هنا كانت التسمية بالوجوب التبعي . وعلى كلّ حال فسواء كانت التبعيّة على أساس الوجه الأوّل أو الوجه الثاني ، فلا إشكال في ثبوت الملازمة بين وجوب شيء نفسيّا ووجوب مقدّماته غيريّا ، غير أنّ التلازم على الوجه الأوّل يكون بين المقدّمات وذات الفعل مباشرة ؛ لأنّها معلولة له ، بينما على الوجه الثاني يكون التلازم بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها بتوسّط الملاك ؛ لأنّهما تابعان معا للملاك .