الإطلاق معناه وجود خصوصيّة تجعل المفهوم قابلا للانطباق على كلّ ما يصلح له المفهوم ، فما دام الإطلاق لازما ذاتيّا لا ينفكّ عن المفهوم فكيف في موارد التقييد انفكّ هذا اللازم عن المفهوم ؟ لأنّه من الواضح أنّه في حال التقييد لا يكون المفهوم صالحا للانطباق على الأفراد غير الواجدة للقيد مع كونها واجدة ومتضمّنة للمفهوم أيضا .
فإذا قيل مثلا : ( أكرم الإنسان العالم ) لم يكن مفهوم الإنسان صالحا للانطباق على الجاهل غير العالم ، مع أنّ الجاهل واجد لماهيّة الإنسان . والحال أنّ الذاتي لا ينفكّ عن الذات ، فيلزم ألّا يكون الإطلاق ذاتيّا للمفهوم وإلا لما انفكّ في موارد التقييد عنه ؛ لأنّ انفكاكه عنه خلف ذاتيّته له .
والجواب : أنّ التقييد لا يفكّك بين اللازم وملزومه ، أي لا يفكّك بين المفهوم والإطلاق بمعنى القابليّة والصلاحيّة للانطباق على كلّ الأفراد المتضمّنة للمفهوم ليلزم المحذور المذكور ؛ وذلك لأنّ التقييد يوجد مفهوما جديدا غير المفهوم السابق ، وهذا المفهوم الجديد مباين للمفهوم السابق وأفراده تختلف عن أفراد ذلك المفهوم .
فقولنا : ( أكرم الإنسان ) يختلف مفهوما عن قولنا : ( أكرم الإنسان العالم ) ؛ لأنّ ( الإنسان ) كمفهوم يغاير ويباين ( الإنسان العالم ) ، بمعنى أنّ الصورة الذهنيّة التي ترتسم لمفهوم ( الإنسان ) تغاير وتباين الصورة الذهنيّة التي ترتسم لمفهوم ( الإنسان العالم ) ؛ وذلك لأنّ المفاهيم الذهنيّة متباينة بمعانيها ؛ لأنّ حقيقة كلّ مفهوم تختلف تصوّرا عن حقيقة الآخر حتّى وإن كان بين المفاهيم نسبة العموم والخصوص مطلقا في عالم الصدق الخارجي .
( فالإنسان ) و ( الإنسان العالم ) كصورتين ومفهومين بالحمل الأوّلي متباينان ومتغايران ؛ لأنّ الأوّل حقيقته ( الحيوان الناطق ) بينما حقيقة الثاني ( الحيوان الناطق ذو صفة العلم ) .
وإن كانا بالحمل الشائع والمصداق الخارجي ينطبق أحدهما على الآخر بحيث تكون أفراد هذا المفهوم داخلة ضمن أفراد المفهوم الآخر ، فإنّ الإنسان العالم بكلّ أفراده داخل تحت أفراد الإنسان أيضا .
والحاصل : أنّ التقييد يوجب حصول مفهوم آخر مباين للمفهوم الأوّل بالحمل
شرح الحلقة الثالثة — صفحة 436
مساهمون: الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
ص٤٣٦