تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥

[ القسم الأول ] الأوامر الإرشاديّة

ومهما يكن فالأصل في دلالة الأمر أنّه يدلّ على طلب المادّة وإيجابها ، ولكنّه يستعمل في جملة من الأحيان للإرشاد . بناء على ما تقدّم فالأصل في دلالة الأمر سواء المادّة أو الهيئة أنّه يدلّ على طلب الفعل ، وأنّ هذا الطلب ناشئ من داع لزومي ، فهو يدلّ على الوجوب على اختلاف الأقوال في كيفيّة هذه الدلالة . إلا أنّ الأمر قد يخرج عن هذه الدلالة كلّيّا فلا يكون دالّا على طلب الفعل أصلا فضلا عن كونه وجوبا أو استحبابا ، وإنّما يكون مستعملا للإرشاد إلى شيء آخر ينتزع ويفهم من الكلام ، كما في الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة والصحّة والبطلان ونحو ذلك . وتوضيح ذلك : فالأمر في قولهم : ( استقبل القبلة بذبيحتك ) ليس مفاده الطلب والوجوب ؛ لوضوح أنّ شخصا لو لم يستقبل القبلة بالذبيحة لم يكن آثما ، وإنّما تحرم عليه الذبيحة . فمفاد الأمر إذا الإرشاد إلى شرطيّة الاستقبال في التذكية ، وقد يعبّر عن ذلك بالوجوب الشرطي باعتبار أنّ الشرط واجب في المشروط . إذا قيل : ( استقبل القبلة بذبيحتك ) فهذا الأمر ليس مفاده ومدلوله الطلب والوجوب النفسي التكليفي للاستقبال ، بحيث يجب عليه الإطاعة والامتثال وإذا خالف يكون مستحقّا للعقاب ؛ لأنّه من الواضح أنّ من خالف ولم يستقبل القبلة عند الذبح لم يكن آثما وعاصيا ولا يستحقّ العقاب ، وكذلك من أطاع واستقبل القبلة لم يكن مستحقّا للثواب ، ومن المعلوم أنّ الطلب والوجوب النفسي يستلزم العقاب على الترك والمخالفة ويستتبع الثواب على الالتزام والإطاعة . وهذا يعني أنّ هذا الأمر ليس مفاده الوجوب النفسي الذي تقدّم الحديث عنه .