تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
فلو كانت هي المعبّر عنها بالأمر لكان اللازم نصب القرينة على حدّها الزائد ؛ لأنّ الأمر لا يدل إلا على ذات الإرادة . وأمّا لو قال : ( أكرم العالم ) وقصد من ذلك الإرادة الضعيفة والاستحباب لكان يجب أن ينصب قرينة تدلّ على ذلك ؛ لأنّنا قلنا : إنّ الإرادة الضعيفة تحتاج إلى بيان زائد عن أصل الإرادة ، ولا يكفي بيان الإرادة فقط ؛ لأنّ حدّها ليس من سنخ حد الإرادة الضعيفة ، فالأمر الموجود في الجملة لا يدلّ إلا على الإرادة المحضة ، أي ذات الإرادة فقط . وأمّا الإرادة الاستحبابيّة الضعيفة فهي تحتاج إلى بيان زائد عن حدّ الإرادة ؛ لأنّهما سنخان مختلفان وحدّهما يختلف ؛ لأنّ حدّ الإرادة الضعيفة أمر وجودي فتكون إرادة الاستحباب من لفظ الأمر مع عدم نصب ما يدلّ على هذا الحدّ الزائد على خلاف المتعارف عند أهل المحاورة والعرف . بينما لو كان يريد الإرادة الوجوبيّة الشديدة لكان هذا الكلام كافيا ؛ لأنّ حدّها من سنخ حدّ الإرادة ولا يحتاج إلى بيان زائد عن أصل بيان الإرادة ؛ لأنّهما شيء وسنخ واحد . فبيان أحدهما بيان للآخر أيضا ، فبالإطلاق وقرينة الحكمة ينتفي ما يدلّ على الإرادة الضعيفة ويتعيّن ما يدلّ على الإرادة الشديدة . وقد أجيب « 1 » على ذلك : بأنّ اختلاف حال الحدّين أمر عقلي بالغ الدقّة وليس عرفيّا ، فلا يكون مؤثّرا في إثبات إطلاق عرفي يعيّن أحد الحدّين . أمّا ما ذكره من بيان فهو فنّي ومقتضى الصناعة ، إلا أنّ إجراء الإطلاق وقرينة الحكمة في المقام غير تامّ ؛ وذلك لأنّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة إنّما تجري فيما إذا فرض لفظ موضوع لمعنى قابل للإطلاق وقابل للتقييد ، فإنّه إذا لم يذكر ما يدلّ على التقييد كان ذلك كافيا لاستفادة الإطلاق ؛ لأنّ إرادة التقييد مع عدم ذكر ما يدلّ عليه على خلاف أهل المحاورة والبناء العقلائي . فقرينة الحكمة تعتمد على ظهور حال المتكلّم في كونه في مقام البيان والتفهيم لتمام مراده الجدّي من كلامه ، فلو كان يريد التقييد لكان ذكر ما يدلّ عليه ، فما دام لم يذكر ما يدلّ عليه فهو لا يريده كما هو مقتضى المحاورات العرفيّة .
هامش
( 1 ) نهاية الدراية 1 : 319 .