تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
لكونها عناصر مشتركة بأنّ الغرض منها تعيين المعنى المراد منها ، أو تعيين المعنى الظاهر فيما إذا كان لها عدّة معان في اللغة . وليس هناك غرض آخر للأصولي من بحث هذه الدلالات المشتركة ، فهي كالدلالات الخاصّة يرجع فيها إلى أهل اللغة أو إلى التبادر . فالبحث عن كون صيغة ( افعل ) دالّة على الوجوب ، أو البحث عن كون اسم الجنس الخالي من القيد يدلّ على الإطلاق الغرض من ذلك أصوليّا هو إثبات أنّ صيغة ( افعل ) ظاهرة في الوجوب لا الاستحباب ، وإثبات أنّ اسم الجنس دالّ على الإطلاق . وهذان البحثان يمكن الرجوع فيهما إلى أهل اللغة إن كان يثق الفقيه بنقلهم ، أو ببحثه كذلك بوصفه من أهل اللغة إن كان عالما باللغة ، أو يرجع إلى التبادر ؛ لأنّه يعيّن المعنى الظاهر والمدلول عليه من اللفظ . وقد تقدّم أنّ التبادر عمليّة عفويّة يمارسها كلّ إنسان من أهل اللغة والمحاورة ولا تحتاج إلى عناية ومئونة زائدة . وحينئذ فما هو الداعي والغرض للأصولي من بحثها في علم الأصول وإتعاب نفسه تحليلا وتدقيقا في أنّ الظاهر هو الوجوب من صيغة الأمر أو أنّ اسم الجنس يدلّ على الإطلاق ؟ ! بل إنّ البحث عنها كذلك ليس إلا تكرارا لغوا وتحصيلا للحاصل . والتحقيق : أنّ البحوث اللفظية التي يتناولها علم الأصول على قسمين : أحدهما البحوث اللغويّة ، والآخر البحوث التحليليّة . والجواب عن هذا الإشكال : أنّ البحوث اللفظيّة التي يتناولها علم الأصول لم يبحث عنها في اللغة : إمّا من باب الإهمال والتقصير ، أو من باب خروجها عن موضوع اللغة . ولأجل توضيح ذلك نذكر هذه المقدّمة : إنّ البحث عن صيغة ( افعل ) أو عن اسم الجنس ونحوهما يمرّ في عدّة مراحل من البحث ، وهي : 1 - البحث عن مدلول هذه الكلمة وتحديد المعنى المستفاد منها ، وهذا بحث لغوي يرجع فيه إلى أهل اللغة أو التبادر . 2 - البحث عن المصاديق والموضوع والأفراد الخارجيّة لهذه الكلمة والمفهوم ، وهذا بحث علمي طبيعي تتولّاه العلوم الطبيعيّة التجريبيّة . 3 - البحث عن حقيقة وكنه وجوهر هذا المفهوم الموجود في الخارج ، وهذا بحث فلسفي يتولّاه فقه اللغة أو فلسفة اللغة .