أخبر الثقة بوجوب السورة فإنّ الشارع عندما جعل الأمارة حجّة حكم بوجوب السورة حكما ظاهريّا ، ولذلك تثبت المنجّزيّة ، وإذا أخبر بعدم وجوبه فيحكم الشارع حكما ظاهريّا بالترخيص ، وهذا الترخيص يحكم العقل بعدم استحقاق العقوبة على مخالفته لو كان الحكم ثابتا في الواقع وكانت الأمارة مخطئة ، وهذا هو معنى التعذير .
فالمنجّزيّة والمعذّريّة ثابتان للأمارة بنفس دليل الحجّيّة ؛ لأنّ مفاده جعل الحكم المماثل وبالتالي يثبت قيامها مقام القطع الطريقي « 1 » .
وتخلّص المحقّق النائيني « 2 » بمسلك جعل الطريقيّة قائلا : إنّ إقامة الأمارة مقام القطع الطريقي لا تتمثّل في عمليّة تنزيل لكي يرد الاعتراض السابق ، بل في اعتبار الظنّ علما ، كما يعتبر الرجل الشجاع أسدا على طريقة المجاز العقلي ، والمنجّزيّة والمعذّريّة ثابتتان عقلا للقطع الجامع بين الوجود الحقيقي والاعتباري .
الثالث : ما ذكره المحقّق النائيني وسارت عليه مدرسته وهو أنّ دليل حجّيّة الأمارات ليس هو تنزيل الأمارة منزلة العلم أو تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع ليرد الإشكال السابق من أنّه غير ممكن ؛ لأنّ المنجّزيّة والمعذّريّة ليستا من الآثار الشرعيّة فلا يتمّ التنزيل . وليس هو جعل الحكم المماثل ليلزم التصويب أو اجتماع الحكمين التكليفيّين المتماثلين أو المتضادّين .
وإنّما دليل الحجّيّة يجعل الأمارة علما ويعتبر الظنّ علما ، فالشارع عندما جعل الأمارة حجّة وأنّها تقوم مقام القطع الطريقي في المنجّزيّة والمعذّريّة إنّما جعلها كذلك من حيث اعتبارها علما ، وبذلك تترتّب عليها كلّ آثار العلم من المنجّزيّة والمعذّريّة ولا نحتاج إلى إثباتهما بدليل خاصّ ، بل إنّ نفس دليل الحجّيّة يثبتهما .
أمّا كيفيّة جعل الأمارة علما فهو على أساس الادّعاء والمجاز العقلي في المصداق لا
هامش
( 1 ) إلا أنّ هذا المسلك كما تقدّم سابقا يستلزم التصويب الذي هو خلاف مذهب الإماميّة ، فإنّ قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل تدفعه ؛ لأنّها تثبت وجود أحكام واقعيّة ثابتة حتّى في صورة قيام الأمارات . وحينئذ إن كان هناك حكم تكليفي آخر على طبق الأمارة فتأتي شبهة ابن قبة بأنّ هذا الحكم الظاهري إن كان مطابقا للواقع فيلزم اجتماع المثلين ، وإن كان مخالفا فيلزم اجتماع الضدّين وكلاهما مستحيل .
( 2 ) فوائد الأصول 3 : 21 .