وثانيا : أنّه لو سلّمنا بالقاعدة فهي مختصّة بالأحكام المشكوكة التي لا يعلم بأهمّيّتها على تقدير ثبوتها ، وأمّا المشكوك الذي يعلم بأنّه على تقدير ثبوته ممّا يهتمّ المولى بحفظه ولا يرضى بتضييعه فليس مشمولا للقاعدة من أوّل الأمر . والخطاب الظاهري - أي خطاب ظاهري - يبرز اهتمام المولى بالتكاليف الواقعيّة في مورده على تقدير ثبوتها وبذلك يخرجها عن دائرة قبح العقاب بلا بيان .
والجواب الثاني على الاستشكال الأوّل : إنّنا لو سلّمنا قاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا نسلّم بإطلاقها لكلّ الأحكام المشكوكة ، بل هي مختصّة بقسم منها فقط ؛ وذلك لأنّ الأحكام المشكوكة على ثلاثة أقسام :
1 - الأحكام المشكوكة التي يعلم على تقدير ثبوتها بأهمّيّتها ، وأنّ المولى لا يرضى بتفويتها وترك التحفّظ عليها .
2 - الأحكام المشكوكة التي يعلم بعدم أهمّيّتها على تقدير ثبوتها ، وأنّ المولى يرضى بتفويتها أيضا حتّى في حال ثبوتها .
3 - الأحكام المشكوكة التي لا يعلم بأهمّيّتها على تقدير ثبوتها ، ولا يعلم بعدم أهمّيّتها على تقدير ثبوتها . بمعنى أنّه يشكّ في أنّها مهمّة أو ليست مهمّة على تقدير ثبوتها .
وحينئذ نقول : إنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان مختصّة بالأحكام ، أي يعلم على تقدير ثبوتها بعدم أهمّيّتها ، بحيث إنّ المولى يرضى بتفويتها ، وبالأحكام المشكوك أهمّيّتها وعدم أهمّيّتها . فهنا تجري القاعدة العقليّة المذكورة لنفي التنجيز ولنفي التحفّظ ولإثبات التأمين عن هذه الأحكام المشكوكة .
وأمّا الأحكام المشكوكة التي يعلم بأهمّيّتها على تقدير ثبوتها ، وأنّ المولى لا يرضى بتفويتها وترك التحفّظ عنها ، فهي ليست داخلة في موضوع القاعدة أصلا . بمعنى أنّها خارجة عنها تخصّصا ، ولا تحتاج في إثبات خروجها عن موضوع القاعدة إلى دليل خاصّ ليشكل بأنّها إذا كانت داخلة تحت القاعدة فكيف تخرج بالأمارة مع أنّها ليست علما ؟ !
فالمكلّف إذا شكّ في وجوب حفظ ابن الحاكم أو حفظ ماله من العدوّ فإنّه لا يمكنه الاعتماد على البراءة العقليّة هنا ؛ لأنّ هذا الحكم المشكوك على تقدير ثبوته فهو
شرح الحلقة الثالثة — صفحة 236
مساهمون: الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
ص٢٣٦