تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
الوجوب حجّة ، إلا أنّ المدلول الالتزامي لهذا الظهور العرفي ليس ظهورا عرفيّا ؛ ليكون حجّة أيضا استنادا على أصالة حجّيّة الظهور ، فإنّ المدلول الالتزامي للوجوب وهو حرمة الترك أو لزوم ترك ترك الضدّ ونحوهما من اللوازم العقليّة يدركها العقل بالتحليل والدقّة لا العرف . فهذا المدلول الالتزامي ليس مشمولا لدليل الحجّيّة لا بنفسه ولا بعنوانه ، وليس عرفيّا ليقال بحجّيّته عرفا . فالنتيجة هي : أنّ مثل هذا المدلول الالتزامي لا يمكن إثباته بحجّيّة الظهور العرفيّة ؛ لأنّها لا تقتضي إلا إثبات المدلول المطابقي فقط لقيام البناء والفهم العرفي عليه ، فتحتاج في إثبات هذا المدلول الالتزامي إلى وجود دليل خاصّ يدلّ على أنّ الحجّيّة ثابتة للمدلول المطابقي والالتزامي معا ، بمعنى سريانها وشمولها للمدلولين . ومع فقد هذا الدليل الخاصّ لا يمكن إثبات هذا المدلول الالتزامي أو على الأقلّ يشكل ذلك . ولكنّ المعروف بين العلماء التفصيل بين الأمارات والأصول ، فكلّ ما قام دليل على حجّيّته من باب الأماريّة ثبتت به مدلولاته الالتزاميّة أيضا ، ويقال حينئذ : إنّ مثبتاته حجّة . وكلّ ما قام دليل على حجّيّته بوصفه أصلا عمليّا فلا تكون مثبتاته حجّة ، بل لا يتعدّى فيه من إثبات المدلول المطابقي إلا إذا قامت قرينة خاصّة في دليل الحجّيّة على ذلك . المشهور بين الأصوليّين هو التفصيل بين الأمارات والأصول ، فقالوا : إنّ كلّ ما قام الدليل على حجّيّته من باب كونه أمارة فيكون حجّة في مدلوله المطابقي والالتزامي معا ، ولذلك يقال : إنّ مثبتات الأمارة حجّة أي أنّ لوازمها حجّة ، وأما ما قام الدليل على حجّيّته بوصفه أصلا عمليّا فهو حجّة في مدلوله المطابقي فقط . وأمّا مدلولاته الالتزاميّة فلا يثبت بنفس دليل الحجّيّة ، وإنّما تحتاج في إثباتها إلى دليل خاصّ أو قرينة في المقام تدلّ على إثباتها أيضا . وقد فسّر المحقّق النائيني ذلك - على ما تبنّاه من مسلك جعل الطريقيّة في الأمارات - بأنّ دليل الحجّيّة يجعل الأمارة علما فيترتّب على ذلك كلّ آثار العلم . ومن الواضح أنّ من شؤون العلم بشيء العلم بلوازمه . ولكنّ أدلّة الحجّيّة في باب الأصول ليس مفادها إلا التعبّد بالجري العملي على وفق الأصل ، فيتحدّد الجري بمقدار مؤدّى الأصل ، ولا يشمل الجري العملي على طبق اللوازم إلا مع قيام قرينة .