الترخيص عن طريق الحكم الواقعي وإما الترخيص عن طريق الحكم الظاهري ، وكلاهما مستحيل كما يأتي توضيحه :
1 - الترخيص عن طريق الحكم الواقعي :
القطع بالتكليف معناه الانكشاف التام أي أن المكلف وصل إلى الحكم الواقعي ، فيكون التكليف الواقعي مقطوعا به ، مثلا إذا قطع المكلف بأن هذا الشيء واجب - عن طريق رواية متواترة مثلا - فهل يمكن أن يأتي الشارع ويقول للمكلف : " أرخّص لك بحكم واقعي آخر كالإباحة " ؟
إن المكلف سيقول : " يا ربي أنا قاطع بأنه واجب وهذا حكم واقعي فكيف تتدخل بحكم واقعي آخر كالإباحة ؟ " .
وقد عرفنا سابقا أن الأحكام الواقعية متضادة فلا يمكن الجمع بينها على موضوع واحد لأن مباديها متضادة إن كان الحكمان ثابتين في الواقع في اللوح المحفوظ وكان القاطع مصيبا في قطعه ، وأما إن لم يكن القاطع مصيبا في قطعه فمعنى ذلك أن أحد الحكمين ليس ثابتا في الواقع فيكون التنافي موجودا في نظر القاطع ، فالتنافي والتضاد في المبادئ إما أن يكون في الواقع أو على أقل التقادير يكون التضاد في نظر القاطع ، فكيف نجمع بين الوجوب الواقعي الذي ملاكه المصلحة والمحبوبية وبين الإباحة الواقعية التي ملاكها أن يكون المكلف مطلق العنان ؟ ، فأنا قاطع بالوجوب فكيف تقول لي أن أقطع بالإباحة ؟
فإذا امتثلت ما تريد فإنه يجتمع عندي قطعان : قطع بالوجوب وقطع بالإباحة ، والقطعان متضادان فبأيهما آخذ وما هو تكليفي : الوجوب أو الإباحة ؟ ، وهكذا نرى أن الشارع لا يمكن أن يتدخل بحكم واقعي لأن الأحكام الواقعية متنافية متضادة ولا يمكن الجمع بين الأحكام الواقعية .