وعدل صاحب الكفاية قدّس سرّه « 1 » عمّا ذكره في الكفاية ، وحاصل كلامه : أنّ الموضوع في موارد القطع الموضوعي الطريقي يكون مركّبا من جزءين أحدهما الواقع ، والآخر القطع المتعلّق به ، ولا يترتّب الأثر والحكم فيما كان الموضوع مركّبا إلّا بعد إحراز كلا الجزءين ، إمّا بالوجدان أو بالتعبّد ، أو أحدهما بالوجدان والآخر بالتعبّد ، وعليه فلو كان دليل التنزيل ناظرا لإثبات أحد الجزءين فلا بدّ من إحراز الجزء الآخر ، إمّا وجدانا أو تعبّدا في عرض تنزيل الجزء الأوّل ؛ إذ لو كان في طوله يلزم الدور كما فيما نحن فيه ، فإنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع إنّما يتوقّف على تنزيل الأمارة منزلة القطع ؛ إذ لا أثر للتنزيل الأوّل بدون الثاني حسب الفرض ، وتنزيل الأمارة منزلة القطع يتوقّف على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع توقّف كلّ دلالة التزاميّة على المطابقة ، وهذا هو الدور الواضح .
والجواب عنه : أنّه لا شكّ في صحّة إثبات الموضوع المركّب بالتعبّدين ، كما إذا قال المولى مثلا : إذا كان المائع حلالا طاهرا يجوز بيعه ، بدلالة قاعدة الحلّية على أحد الجزءين وقاعدة الطهارة على الجزء الآخر مع بداهة تقدّم صدور إحدى القاعدتين على الأخرى لا محالة . والحال أنّ لازم كلامه قدّس سرّه لزوم الدور هنا أيضا ؛ لتوقّف جريان قاعدة الطهارة بحيث يثبت بها الموضوع على جريان قاعدة الحلّية وبالعكس ؛ لدلالة كلّ منهما على جزء واحد ، فلا بدّ من إثبات كلا الجزءين بالتعبّد الواحد .
ومن هنا نستكشف بطلان كلامه قدّس سرّه بأنّ لغوية كلام الحكيم كما تندفع بترتّب الأثر الفعلي على التعبّد والتنزيل ، كذلك تندفع بترتّب الأثر التعليقي ، بحيث لو انضمّ إليه جزؤه الآخر كان ذا أثر فعلي ، فصحّة المدلول المطابقي - أي تنزيل المؤدّى منزلة الواقع - لا يتوقّف على المدلول الالتزامي حتّى يستلزم الدور .
مع أنّه يترتّب على التعبّد الأوّل أثر بيّن وهو قيام الأمارة مقام القطع الطريقي
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 2 : 24 .