تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات الأصول في اصول الفقه — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
لأنّ ذلك إنّما يكون من لوازم الوضع المترتّبة عليه بعد تحقّق الوضع وصدوره عن الواضع ، بل إنّما ينتزع ذلك عن انس الذهن بذلك أو عن كثرة الاستعمال بعد تحقّق الوضع ، لا أنّه عبارة عن نفس حقيقة علقة الوضعيّة ، وذلك من الظهور بحدّ لا يحتاج إلى أدنى تأمّل فيه . ولقد كفاك شاهدا على ما ذكرناه النظر في الأعلام المنصوبة للعلامة على تعيين الفراسخ في الطرق البعيدة ، فإنّه إذا انتقلت بعد النصب إلى غير مكانها المعيّن الذي نصبت أوّلا فيه لدلالتها عليه من المقصود الخاصّ ، المارّ عليها بمناسبة انس الذهن إذا مرّ على المكان الجديد يتبادر إلى ذهنه المكان الأوّل ، مع أنّها قلعت عن مكانها الأوّل ، ونصبت في المكان الجديد بالهزل والعبث ، مع أنّ المارّ عليها يتبادر إلى ذهنه تلك العلامة الخاصّة والمقصود الخاصّ ، كما كان الأمر كذلك في المكان الأوّل الذي نصبت فيه لأجل الدلالة على تلك المسافة الخاصّة . فالدلالة المتبادرة إلى ذهن المارّ في المكان الثاني غير مربوطة بالعلقة الوضعيّة الأوّليّة ، بل إنّما نشأت من انس الذهن وكثرة المرور بذلك المكان الأوّل وتخيّل أنّ نصبه في هذا المكان الجديد أيضا كان بذلك الاعتبار الأوّلي ، مع أنّ نصبه في المكان الجديد إنّما حدث بالهزل والعبث أو الانحراف في سير العابر والمارّ لأجل غرض السرقة ، من دون أن يكون مربوطا بالعلقة الوضعيّة في شيء بالقطع واليقين . وإذا علمت ذلك كلّه فانقدح لك أنّ ما أفاده المحقّق صاحب الكفاية قدّس سرّه يكون من لوازم علقة الوضعيّة لا عينها بعنوان الحقيقة . فلنا أن نقول : إنّ ذات وحقيقة علقة الوضعيّة كما هو حقّها يتّضح بالتكلّم في الغرض والغاية التي تكون هي الباعثة والداعية للواضعين على وضع الألفاظ