تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات الأصول في اصول الفقه — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
وعلى ذلك فلا يمكن استعمال اللفظ في المعنيين على نحو الاستقلال ، لأنّ لازمه فناء اللفظ في كلّ منهما في لحظة فاردة وآن واحد ، وهو من المحالات الأوّلية . كيف لا ، مع أنّ إفنائه في أحدهما وجعله وجها وعنوانا له يستحيل أن يجتمع مع إفنائه في الآخر وجعله وجها وعنوانا له ، فاللفظ الواحد لا يعقل أن يكون وجودا لمعنيين مستقلّين في وقت واحد . وهذا مبتن على أن تكون حقيقة الوضع عبارة عن جعل وجود اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى ، ولكن قد تقدّم بما لا مزيد عليه مفصّلا بطلان ذلك كالشمس عند الزوال . بخلاف مسلكنا المختار بأنّ الوضع في الحقيقة عبارة عن التعهّد والالتزام النفساني بإراءة ما في النفس والاعتبار باللفظ في مقام التفهيم والتفهّم ، فلا مانع من ذلك ، لأنّ الاستعمال ليس إلّا فعليّة ذلك التعهّد وجعل اللفظ علامة لإبراز ما قصد المتكلّم تفهيمه ، لأنّ الواضع تعهّد والتزم بأنّي كلّما قصدت تفهيم المعنى الفلاني أتكلّم بهذا اللفظ من الكلام على نحو يكون اللفظ مرآة وعلامة للمعنى ، ولا مانع حينئذ من جعله علامة لإراءة المعنيين المستقلّين . فاللفظ على هذا المسلك لا يكون إلّا علامة لإبراز ما في أفق النفس من المعنى ، كما يكون نصب العلم والمنار والتحجير على رأس الفرسخ علامة لإبراز هذا المقدار من المسافة في أفق الأرض ، وهو أي ( ما في الأفق ) قد يكون معنى واحدا ، فاللفظ علامة لإبرازه ، كعلاميّة نصب المنار والعلم لإبراز معنى واحد ، وقد يكون مجموع المعنيين ، وقد يكون أحدهما لا بعينه ، كما عرفت بيان ذلك عند تفسير الاشتراك . وقد يكون كلّ من المعنيين مستقلا ، فيكون الاستعمال بالمقايسة إلى الوضع بمنزلة الفرد إلى الكلّي من حيث الفعلية . فإذن لا مانع من أن يكون اللفظ الواحد علامة لعدّة من المعاني بحسب الإمكان ، كما لا مانع من أن يجعل لفظ واحد علامة لإرادة تفهيم كلّ واحد منها