فظهر ممّا ذكرنا كلّه في الموارد الأربعة من الموضع الثالث : أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية في الأصول برمّتها - سواء كانت اصولًا محرزةً أو غير محرزة - هو الإجزاء ما لم يدلّ دليل على خلافه ، فإن دلّ على ذلك فنقول بعدم الإجزاء .
وبعبارة أخرى : ظهر لك من مطاوي ما ذكرناه في الموضع الثالث : أنّ مقتضى اعتبار الأصول - وإن كان تنزيلياً - أنّه لو أتى المكلّف على طبقها ثمّ انكشف الخلاف فالقاعدة تقتضي الإجزاء ؛ سواء قلنا بأنّ مفاد دليل اعتبارها جعل الحكم الشرعي ، أو الأمر بترتيب الآثار .
خلافاً لما عن المحقّق العراقي قدس سره حيث كان مُصرّاً على أنّه إذا كان المجعول في الأصول حكماً شرعياً لاستلزم ذلك حكومة دليلها على أدلّة الأجزاء والشرائط الأوّلية ، ويكون مقتضاه الإجزاء .
وأمّا إذا كان المجعول فيها الأمر بترتّب الآثار - كما هو الظاهر منها - فغاية ما تقتضيه هو جواز الدخول في العمل وعدم الإجزاء بعد كشف الخلاف . واستظهر قدس سره من أدلّتها أنّها آمرة بترتّب الآثار « 1 »
. ولا يخفى ما في كلامه قدس سره من النظر :
أمّا استظهاره من الأدلّة في كونها آمرة بترتّب الآثار فنقول : ظاهر أدلّة اعتبار تلك القواعد والأصول بأجمعها هو جعل الحكم الشرعي ، لا الأمر بترتّب الآثار ؛ وذلك لأنّ ظاهر قوله عليه السلام :
« كلّ شيء طاهر . . . »
إلى آخره ، أو
« كلّ شيء حلال . . . »
إلى آخره إخبار عن الطهارة أو الحلّية الواقعيتين على المشكوك في طهارته أو حلّيته ، وحيث لا يمكن حملهما على الواقعي منهما فلا بدّ من حملهما على الطهارة أو الحلّية التنزيليتين .
وبالجملة : الفتاوى والأحكام الصادرة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام تحكي عمّا هو
هامش
( 1 ) - بدائع الأفكار 1 : 303 .