تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الأصول — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وأما إذا كانت صحة المدح والذم أمراً واقعياً ثابتاً بقطع النظر عن أي اعتبار ، فيكفي ذلك في تصوير الحسن والقبح العقليين بلا حاجة إلى ضم دعوى الانبساط والانقباض والملاءمة والمنافرة في القوة العاقلة ، إلا أن يكون مقصوده ( قدس سره ) مجرد كونه معرفاً ، وقد ظهر من تضاعيف ما ذكرناه عدم امكان ارجاع العقل العملي المدعى إلى باب الميل والغريزة وسلخه عن الصفة الادراكية ، بحيث يكون مجرد دافع نفسي في مقابل سائر الدوافع والميول المركوزة في طبيعة الانسان ، فان ارجاعه إلى ذلك يؤدي إلى عدم امكان تطبيق قضاياه على خارج حدود الفعل المباشر لصاحب الميل والغريزة ، فان الميل في كل انسان انما يقتضي فعلًا ولا يقتضي حكماً ، ولا ربط له بالفعل الصادر من الغير ، ولو كان مخالفاً سنخاً للفعل الذي يقتضي الميل صدوره من صاحب الميل ، مع اننا نطبق العقل العملي حتى على الباري سبحانه ، فنقول : ان العدل منه حسن ، والظلم منه قبح مثلًا ، كما أن من زال عنه الميل إلى الخير بسبب توغله في الشر يميز بين الحسن والقبح ايضاً ، مع أنه لا يشتهي الحسن ، فالتمييز اذاً تمييز عقلي ادراكي لا ميلي غريزي . كما أنه بما ذكرناه يظهر ما هو المعروف عن الفلاسفة في هذا المقام ، فإنهم سموا قضايا الحسن والقبح العقليين بالقضايا المشهورة ، وجعلوها من القضايا الواجبة التسليم ، وإن لم تكن من القضايا الواجبة الاعتقاد والضرورية الصدق ، وقالوا بشأنها انها ترجع إلى مصالح ومفاسد لبقاء النوع وحفظ النظام ، ولكن لا كل مصلحة ومفسدة ، بل تلك المصالح والمفاسد التي يدركها العاقل بما هو عاقل بلا مزية تمعن وتأمل ، ويترتب على ذلك أن تكون الملاكات مدركة لتمام العقلاء لاشتراكهم في سبب الادراك ، ونتيجة لهذا يتطابق العقلاء على صحة المدح وصحة الذم ، ويتكون العقل العملي . وقد عرفنا سابقاً أن ربط الحسن والقبح بالمعنى المدرك لمعاشر العقلاء بباب المصالح والمفاسد المترتبة على الأفعال الحسنة والأفعال القبيحة أمر غير صحيح ، سواء أريد بالمصالح والمفاسد المترتبة أو الملحوظة ملاكاً ما يعود على النفس بالكمال أو على المجتمع لحفظ النظام وبقاء النوع ، لأن ذلك يؤدي إلى تطبيق
جواهر الأصول — صفحة 224 | السيد محمد باقر الصدر