تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الأصول — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ونحو ذلك من الحيثيات الأكثر أهمية منه في وجود صاحب السر ، فهذا كله يدل على أن الحسن والقبح الذي ندركه وان العقل العملي الذي نجده لا يتمحض ملاكا بباب المصالح والمفاسد لكل واحد من المعاني السابقة . نعم هنا وجه رابع لربط الحسن والقبح بباب المصلحة والمفسدة ذكره المحقق الخراساني ( قده ) في فوائده ، ولا أدري ما إذا كان اختياره لهذا الوجه دون بعض الوجوه السابقة ناتجاً عن التفاته إلى خلل في تلك الوجوه ، أو لتفتيشه عن أساس أعمق . وخلاصة هذا الوجه ربط الحسن والقبح بخيرية الافعال وشريتها بالمعنى الفلسفي الذي مرده إلى سعة الوجود وضيق الوجود . وهذا الوجه يتوقف على بيان مقدمة وهي : ان مرجع الخير إلى الوجود ، ومرجع الشر إلى العدم ونقص الوجود ، وان سعة الوجود وضيق الوجود كما يتصور في الأشياء الخارجية كالانسان والحيوان والجماد والنبات كذلك يتصور في الافعال ، فإنها بدورها ايضاً تختلف في سعة الوجود وضيقه ، وتختلف بسبب ذلك في مدى خيريتها وشريتها وبركتها وشؤمها ، فكل ما كان الشيء عيناً أو فعلًا أوسع وجوداً كان أكثر بركة وخيراً ، والعكس بالعكس . إذا تمهدت هذه المقدمة يقال : ان القوة العاقلة حينما تدرك الأشياء يناسبها ما كان منها أوسع وجوداً باعتبار سعة وجودها ، ولا يناسبها الضيق في وجودها باعتبار عدم السنخية ، وعليه فلا غرو أن يكون ادراكها للأفعال الواسعة وجودياً من باب ادراك الملائم لأجل تلك المناسبة والسنخية ، ويكون ادراكها للأفعال الضيقة وجودياً ادراكاً للمنافر بملاك عدم المناسبة والسنخية ، فيحصل لها عند ادراك الملائم الانبساط والالتذاذ ، ويحصل لها عند ادراك المنافر الانقباض والانكماش والاشمئزاز ، حالها في ذلك حال سائر القوى الدراكة في الانسان ، فكما ان قوة الحس البصري أو الشمّي أو الذوقي يكون ادراك المنظر القبيح ، أو الرائحة الكريهة ، أو الطعم المرّ ادراكاً للمنافر بالنسبة إليها كقوى ، أو إلى النفس في مرتبتها بتعبير آخر ، ويكون ادراكها للحديقة الجميلة ،
جواهر الأصول — صفحة 220 | السيد محمد باقر الصدر