فإذن مع قطع النظر عن استعمال كلمة
( عَلَى )
، فإنّ نفس كلمة
( مِنْ حَرَجٍ )
التي تُعيّن من تكليف حرجي تفرّق بين مسألة المستحبّات والمكروهات ، ولذلك لو كانت المستحبّات واجبات لاتّصفت بالحرجيّة ، ولكن بما أنّها من المستحبّات فلا يصدق عليها عنوان الحرجيّة ، فمثلًا يُستحبّ للإنسان أن يصوم جميع أيّام السنّة عدا العيدين ، فلو تحوّل هذا المستحبّ إلى وجوب فسوف يكون تكليفاً حرجيّاً ، لكن بما أنّه على هيئة الاستحباب لا يتحقّق فيه عنوان الحرجيّة ، ويبقى الاستحباب على حاله ، أي لا نستطيع أن نقول : بما أنّ الصوم في جميع أيّام السنّة فيه حرج فليس بمستحبّ ، بل مع كونه حرجيّاً يبقى الاستحباب على حاله .
جريان القاعدة بالنسبة إلى أقسام الواجب
وأمّا الواجبات ففيها بحث أيضاً ، ففي باب الواجبات فإنّ للوجوب أقسام :
وجوب نفسي وغيري ، والوجوب الغيري هو الوجوب المقدّمي ، وفيه نكتة يجب الالتفات إليها ، فإنّه يوجد بحث مفصّل في مقدّمة الواجب وهو أنّه هل تتّصف المقدّمات بالوجوب الشرعي الغيري ، أو لا ؟ وهل توجد ملازمة بين الوجوب الشرعي لذي المقدّمة والوجوب الشرعي للمقدّمة ، أم لا توجد مثل هذه الملازمة ؟ إذا قلنا بهذه الملازمة وقلنا بالوجوب الشرعي الغيري للمقدّمة ، فهنا بإمكان دليل نفي الحرج أن يرفع دليل الوجوب الغيري ، فكما أنّنا قلنا في آية الوضوء إذا كان لقوله :
( ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ )
معنيين ، فلو فسّرناها بهذا الشكل ، قلنا إنّ هذا تعليل لعدم وجوب الوضوء في حالة المرض أو فقدان الماء بتلك الكيفية ، فانّ :
( ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ )
يريد رفع وجوب الوضوء ، في حين أنّ وجوب الوضوء وجوب غيري ومقدّمي ، فيصحّ هذا الكلام