لا حرج قاعدة عقلية ، وذكرنا جملة من القرائن استدلّ بها هذا البعض . ولكن جميع الاستدلالات والقرائن التي ساقوها كانت قابلة للردّ والمناقشة . ولو سلّمنا بأن هذه القاعدة هي قاعدة عقليّة كما ذهب إليه بعض الأعلام من أساتذة الشيخ الأنصاري أعلى اللَّه مقامه ، حينئذٍ تكون غير قابلة للتخصيص ، لأنّ حكم العقل لا يخصّص ، فلا يمكن أنّ نتصوّر أنّ هناك استثناء وشواذّ في القاعدة ، إلّا إذا كان الاستثناء استثناءً منقطعاً خارجاً عن موضوع حكم العقل ، وأمّا مع بقاء الموضوع ، فلا استثناء في الأحكام والقواعد العقليّة . إذن ، القائلون بأنّ قاعدة لا حرج هي قاعدة عقليّة ، رفضوا إمكان التخصيص . وبناءً على ذلك لا يمكنهم أن يبحثوا في أنّ القاعدة ، هل خصّصت أو لم تخصّص ؟ ولكن إذا قلنا بشرعيّة القاعدة ، أي أنّها قاعدة شرعيّة تعبديّة ، فمن الواضح أنّ القاعدة الشرعيّة قابلة للتخصيص ، وعليه فالقائلين بشرعيّة القاعدة يمكنهم أن يفرضوا موارد استثناء وموارد تخصيص للقاعدة . أمّا لو قلنا بأن القاعدة وردت في مقام الامتنان ، فهل هي بذلك قابلة للتخصيص ، أو أنّها غير قابلة للتخصيص ؟ هل هناك ثمّة منافاة بين كون القاعدة واردة في مقام الامتنان ، وبين قبولها التخصيص ؟ مع أنّنا في مقام الإثبات قد يتراءى لنا في الظاهر أنّ القاعدة لم تخصّص ، ولكن هذا الاستظهار يتعلّق بمقام الإثبات ، أمّا من حيث الثبوت فليس بمقدورنا أن نجزم بأنّ ما ورد في مقام الامتنان لا يمكن أن يخصّص . فالحديث المشهور « رفع عن امّتي ما لا يطيقون » ورد في مقام الامتنان ، لكن ومع علمنا أنّ من الموارد التسعة التي ذكرت في هذا المجال هو « ما استُكرهوا عليه » ، إلّا أن الإكراه على القتل قد استثني بمقتضى الأدلّة الخاصّة . فالإكراه على القتل لا يجيز القتل حتّى ولو هُدِّد المكرهُ بالقتل . إذن لا يوجد لدينا أيّ دليل على استحالة هذا المعنى وهو
ثلاث رسائل — صفحة 128
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٢٨