تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب الأصول — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وهذه كلها تارة التفاتية تفصيلية ، وأخرى على نحو الإجمال والارتكاز وهو الغالب . الرابع من المذاهب في أفعال العباد : التفويض ، ونسب إلى المعتزلة ، فقالوا : إن الأفعال منسوبة إلى العباد بالحقيقة وإلى اللّه تعالى بالمجاز ، وأنه لا تكون أفعال العباد مورد إرادة اللّه تعالى أصلا ، وإنما هي مختارة باختيارهم فقط ، ولا دخل لاختياره تعالى فيها ، لأنه لو كانت أفعال العباد موردا لإرادته تعالى لزم الجبر ، مع أنه لا يصح أن تكون السيئات والأفعال القبيحة موردا لإرادته تعالى . وفيه : انه مردود عقلا ونقلا ، أما الأول فلما يأتي من بيان الأمر بين الأمرين . وأما الثاني فلقوله تعالى :
إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ،
وقوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
ولما ورد من المعصومين من قول : « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه » ، ولما ورد في الدعوات الكثيرة من الاستعانة به تعالى في جميع الأمور . والجميع ظاهر ظهورا عرفيا في صحة إضافة أعمال العباد إلى اللّه تعالى ، إما بنحو القضاء والرضا معا ، كما في الحسنات ، أو على نحو القضاء فقط ، كما في السيئات . وقضاؤه تعالى ليس من العلة التامة المنحصرة في شيء أبدا ، وإلّا فهو جبر باطل . ويمكن حمل كلامهم على التفويض الاقتضائي ، بأن يقال إن نهاية استغنائه تعالى عن خلقه تقتضي إيكال الإرادة إلى العباد بعد بيان طريق الحق والباطل وإتمام الحجة عليهم ، ولكنه تعالى لم يفعل ذلك لمصالح كثيرة ، بل جعل إرادته عزّ وجلّ مسيطرة على إرادة عباده على نحو لا يلزم منه الجبر ، وهذا هو عين الأمر بين الأمرين الذي يأتي بيانه ، وعلى هذا فلا نزاع في حاق الواقع بين المسلمين . وأما الأمر بين الأمرين ، فهو ما ورد عن أئمة الدين أنه : « لا جبر ولا