تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب الأصول — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
عن الإرادة ، وشبهة الكلام النفسي ، ودفعها ، مع أن كل ذلك لا ربط له بالأصول .

[ الكلام في شبهة الجبر ]

أما الشبهة الأولى ، فهي مورد البحث في جميع الأديان - سماوية كانت أو غيرها - وهي من الشبهات القديمة جدا . وعمدة المذاهب في أعمال العباد خمسة : ثلاثة منها جبر ، والرابع تفويض ، والخامس أمر بين الأمرين .

الأول من مذاهب الجبر : ما نسب إلى الأشاعرة من نفي الإرادة والاختيار عن العبد مطلقا ، وقالوا : إن نسبة الفعل إلى اللّه بالحقيقة وإلى العبد بالمجاز ، وإن العبد بالنسبة إليه تعالى ، كالقلم في يد الكاتب ، والسيف في يد القاتل . ومن أمثلتهم : قال الحائط للوتد : لم تشقّني ؟ قال : سل عمن يدقّني . واستدلوا عليه بظواهر بعض الآيات ، كقوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ،
وقوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة . وأن التوحيد الخالص في الفعل يقتضي نفي الإرادة والاختيار عما سوى اللّه تعالى . ويرد عليه . . أولا : أن تلك الآيات معارضة بما هو أقوى منها في الدلالة على نسبة الفعل إلى العبد ، كقوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ،
ويصح نسبة خلق عمل العبد إليه تعالى بالتسبيب مع اختيار العبد ، كما يأتي . ونفي الرمي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله إنما هو بالنسبة إلى الأثر الخارق للعادة ، لا بالنسبة إلى الفعل المباشري الصادر منه صلّى اللّه عليه وآله . وثانيا : أنه مستلزم لنفي الحسن والقبح العقلي المتفق عليهما بين العقلاء . وثالثا : أنه يلزم منه نفي استحقاق الثواب والعقاب المتفق عليهما في جميع الشرائع الإلهية إلى غير ذلك من المفاسد التي يأبى العقل عنها . ولولا ظهور بعض كلماتهم في التعميم لأمكن حمل بعضها على ما لا دخل للاختيار فيه ، كالعزّة ، والذلّة ، والغنى والفقر ونحوهما ، ويمكن أن يحمل الجبر في قولهم على الجبر الاقتضائي ، يعني أن مقتضى الإرادة القاهرة الأزلية الإلهية أن لا تكون في البين إرادة غيرها ، ولكنه تعالى جعل للإنسان بل مطلق
تهذيب الأصول — صفحة 54 | السيد عبد الأعلى السبزواري