الكتاب « 1 » والسنّة « 2 » من التحريص إلى الرجوع ليس إلّا إرشاداً إلى الفطرة المرتكزة ، وهو دليل لبّي لا إطلاق له حتّى يتمسّك بإطلاقه .
خصوصاً إذا علم أنّ مؤدّى الأمارات والأصول عنده قد يكون مخالفاً لرأي من يريد أن يرجع إليه ؛ بحيث لو استفرغ الوسع لوقف على خطأه في الاجتهاد فلا يعذّره العقلاء لو رجع وبان خطأه ، والحال هذه .
وإن شئت قلت : إنّ المتيقّن أو ما هو الظاهر من بناء العقلاء هو الجاهل الذي لا يتمكّن فعلًا من تحصيل الأحكام الواقعية من طرقه المألوفة ، فعليه أن يرجع إلى المتمكّن . وأمّا القادر على تحصيلها من طرقها ؛ بحيث لا حاجز بينه وبينها إلّا مراجعة الأمارات والأصول المجتمعة في الكتاب والسنّة فخارج عنه ، بل يجب عليه بذل الجُهد في تحصيل ما هو ضالّته ، وما يدور عليه وظائفه .
والحاصل : أنّه لو باشر وقام على تحصيل الأحكام الشرعية بنفسه فهو مأمون من العتاب والعقاب - أصاب أو أخطأ - لكونه خبيراً فيما باشره ، والخبير قد يصيب وقد لا يصيب . وأمّا إذا رجع إلى الغير فلو كان الغير خاطئاً في اجتهاده فلا يعذر في مراجعته ؛ لأنّه من المحتمل جدّاً عدم خطأه فيما لو باشره بنفسه .
فإن قلت : جرت سيرة العقلاء من أصحاب الصنائع وغيرهم على خلاف ذلك ؛ فربّما يدفعون كلفة التدبّر والتشخيص في أمر إلى ذمّة الغير ، مع كون الدافع قادراً على القيام به بنفسه .
هامش
( 1 ) - راجع النحل ( 16 ) : 43 ، الأنبياء ( 21 ) : 7 .
( 2 ) - راجع وسائل الشيعة 27 : 131 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 10 ، الحديث 20 ، والباب 11 .