القطع موجب لتنجّز الحكم وقطع العذر ؛ لأنّه كاشف في نظر القاطع بلا احتمال الخلاف ، وهذا كافٍ في حكم العقل والعقلاء بالتنجّز وصحّة الاحتجاج ، وهذا - أعني انقطاع العذر وصحّة الاحتجاج - من آثار القطع نفسه ، يترتّب عليه بلا جعل جاعل .
وأمّا ما يقال : إنّ الطريقية والكاشفية من ذاتيات القطع لا بجعل جاعل ؛ إذ لا يتوسّط الجعل التأليفي الحقيقي بين الشيء وذاتياته ، كما أنّه يمتنع المنع عن العمل به ؛ لاستلزامه اجتماع الضدّين اعتقاداً مطلقاً ، وحقيقةً في صورة الإصابة « 1 » .
ففيه : أنّ الذاتي في باب البرهان أو الإيساغوجي ما لا ينفكّ عن ملزومه ولا يفترق عنه ، والقطع قد يصيب وقد لا يصيب ، ومعه كيف يمكن عدّ الكاشفية والطريقية من ذاتياته ؟ والقول بأنّه في نظر القاطع كذلك لا يثبت كونها من لوازمه الذاتية ؛ لأنّ الذاتي لا يختلف في نظر دون نظر .
وأمّا احتجاج العقلاء فليس لأجل كونه كاشفاً على الإطلاق ، بل لأجل أنّ القاطع لا يحتمل خلاف ما قطع به . وقس عليه الحجّية ؛ فإنّ صحّة الاحتجاج من الأحكام العقلائية لا من الواقعيات الثابتة للشيء جزءًا أو خارجاً .
فتلخّص : أنّ الطريقية والكاشفية ليست عين القطع ولا من لوازمه ، وأمّا الحجّية فلا تقصر عنهما في خروجها عن حريم الذاتية ، غير أنّ الحجّية تفترق عن الطريقية بأنّها من الأحكام العقلية الثابتة له عند العقلاء ، ولأجل ذلك تستغني عن الجعل .
وأمّا ما ذكر من قيام البرهان على امتناع الجعل التأليفي . . . إلى آخره « 2 »
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 297 .
( 2 ) - نفس المصدر .