المجاز في جميع الأقسام والأمثلة إنّما هو بالادّعاء ، وأنّ ما قصده أيضاً هو نفسه أو من مصاديقه ، فانظر إلى قول الشاعر :
جددت يوم الأربعين عزائي * والنوح نوحي والبكاء بكائي
ترى أنّ حسن كلامه وجمال مقاله إنّما هو في ادّعائه بأنّ النوح والبكاء منحصران في نوحه وبكائه ، وليس غيرهما نوحاً وبكاء .
وعليه لا يجوز أن يكون العامّ المخصّص من قبيل المجاز ؛ ضرورة عدم ادّعاءٍ وتأوّلٍ فيه ، فليس في قوله : «
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
« 1 » ادّعاء كون جميع العقود هي العقود التي لم تخرج من تحته ، وأنّ الباقي بعد التخصيص عين الكلّ قبله ؛ إذ ليس المقام مقام مبالغة وإغراق حتّى يتمسّك بهذه الذوقيات ، وكذلك قوله سبحانه :
«
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ »
« 2 » في المطلق الوارد عليه التقييد .
والحاصل : أنّ حمل العامّ المخصَّص على باب المجاز - مع أنّ مداره الادّعاء ، وهو غير مناسب في هذه العمومات التي لم يقصد منها إلّا ضرب القانون - ضعيف جدّاً .
مع إمكان كونه حقيقة على وجه صحيح ، وإليك بيانه : إنّ الدواعي لإنشاء الحكم وإلقاء الأمر على المخاطب كثيرة جدّاً ، قد أشرنا إلى بعضها في باب الأوامر ، ومن تلك الدواعي هو ضرب القانون وإعطاء القاعدة الكلّية للعبيد بجعل حكم على عنوان كلّي نحو « أكرم العلماء » ، وللموضوع آلاف من المصاديق ، ولكن بعضها محكوم بالإكرام بالإرادة الجدّية ، وبعضها محكوم بعدم الإكرام كذلك .
هامش
( 1 ) - المائدة ( 5 ) : 1 .
( 2 ) - البقرة ( 2 ) : 275 .