ثمّ أورد على نفسه : بأنّا لا نسلّم دَخْل ظنّ المجتهد في الموضوع ، بل الدخيل فيه هو قوله ، وهو باق .
وأجاب عنه : بمنع ذلك ؛ لأنّ أدلّة جواز الرجوع إلى المجتهد من الإجماع والسُّنّة وغيرهما : إمّا ظاهرة في اعتبار حياته ، مثل
« فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ » *
« 1 » ، أو إطلاق لها يشمل حالة الموت الذي ينعدم به ظنّه أيضاً ، وقوله حينئذٍ ليس مستنداً إلى الظنّ ، فلا مجال حينئذٍ للاستصحاب ؛ لاحتمال أن يكون الظنّ قيداً للموضوع ، لا واسطة في ثبوت الحكم للموضوع ، وهو كافٍ في عدم جريان الاستصحاب « 2 » . انتهى حاصله .
أقول : لا بدّ في المقام من ملاحظة أدلّة جواز التقليد أو وجوبه ، والعمدة منها هو بناء العقلاء ، وأمّا الآيات والروايات فبعضها ضعيفة الدلالة ، وبعضها ضعيفة السند .
وحينئذٍ نقول : للعلم والظنّ ونحوهما الحاصل للمجتهد حيثيّتان :
الأولى : أنّه صفة خاصّة قائمة بالنفس ، نظير سائر أوصاف النفس ، كالشجاعة والسخاوة والعفّة ونحوها ، وهي من الأوصاف النفسانيّة .
الثانية : حيثيّة الأماريّة والكاشفيّة عن الواقع .
ولا إشكال في أنّ اعتبار قول مثل الطبيب ونحوه - ممّن نظره طريق إلى الواقع - إنّما هو من الحيثيّة الثانية ، فإذا حكم في واقعة بشيء فنظره متّبع عرفاً ما لم يرجع عن نظره ؛ من غير فرق بين زمان حياته أو موته ، حتّى فيما لو زال علمه بمرض وهرم ونحوهما ، ولا يحتمل عند العرف والعقلاء دَخْل حياته وتأثيرها في كاشفيّة نظره عن الواقع ، بل ظنّه ورأيه بنفسه كاشف عن الواقع حتّى بعد مماته ، وأنّه تمام الموضوع للكاشفيّة عنه في مقام العمل .
وبالجملة : لا إشكال في استقرار بناء العقلاء على العمل برأي أهل الخبرة
هامش
( 1 ) - النحل ( 16 ) : 43 .
( 2 ) - مطارح الأنظار : 259 - 260 .