بالخروج عن مكان المغصوب ، ونحن نحكم بصحة الصلاة في المثالين لما هو المختار عندنا من كون المصلحة في المراد وهي موجودة بحالها حتى في صورة المعارضة .
( التنبيه الثالث )
قوله تعالى في الحديث القدسي ( يا بن آدم بمشيئتى كنت أنت الذي تشاء فأنت أولى بسيئاتك منى وانا أولى بحسناتك منك ) فإنه ربما تورد هنا شبهة على هذا الحديث ، وحاصلها ان نسبة الحسنات إلى الباري فقط مع كون العبد في مقام الطاعة والمعصية له نسبة واحدة حيث إن الفعل سواء كان طاعة أو معصية ينسب إلى العبد من جهة وإلى اللّه تعالى من جهة فما وجه الأولوية في نسبة الحسنات إلى اللّه تعالى وفي السيئات إلى العبد المسكين وهل هو الا الجبر .
واما الجواب عنها فهو تارة بملاحظة النظام التشريعي وتارة بلحاظ النظام التكويني ، اما الأول فان اللّه تعالى خلق الانسان وألهمه الحسن والقبح بسبب العقل وقد قال تعالى
( وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها )
« 1 » ومع ذلك فهو الذي بعث في الأميين رسلا في هدايتهم وتقويتهم العقل في اتيان الخيرات فالعبد حينئذ لو فعل الحسنات فهو تعالى أولى بحسناته في الانتساب إذ هو المرشد اليه بسبب الأنبياء والرسل بعد تكوين العقل ، واما لو فعل المحرمات لمتابعته شهوات نفسه فهو أولى بالانتساب اليه لأنه مع هداية الأنبياء زائدا على حكم العقل ، قد اتبع هوا نفسه في انحرافه وخذلانه . واما الثاني فهو ان في الحسنات ارتباطات تكوينية يؤيد بعضها بعضا من جانب اللّه وان الاقدام في بعضها يوجب حصول توفيق في اتيان بعضها الآخر وكذا العكس ، فان اللّه قد جعل هذا التوفيق كذلك تكوينا وقد ورد في بعض الروايات من أن العبد ربما يكون موفقا بالحسنات والخيرات بواسطة التزامه في العمل ببعض الخيرات والحسنات فبعضها يكون معدّا للآخر ويعطى التوفيق والقابلية لمن عمل به .
هامش
( 1 ) القرآن الكريم سورة 92 آية 7 - 8