اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) كان إذا خرج غازيا لم يتخلف عنه إلّا المنافقون والمعذرون ، فلمّا أنزل اللّه تعالى عيوب المنافقين وبين نفاقهم في غزوة تبوك ، قال المؤمنون : واللّه لا نتخلف عن غزاة يغزوها رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ولا سرية أبدا ، فلمّا أرسل رسول اللّه السرايا إلى الغزو نفر المسلمون جميعا وتركوا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وحده ، فأنزل اللّه سبحانه
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً . . .
الآية .
وهذا التفسير خلاف ظاهر الآية الشريفة وإنّما فسرت به اهتماما بحفظ وحدة السياق . والدليل على كونه خلاف الظاهر : أنّ المستفاد من قوله
ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا
هو النفي ، وأنّه ليس لهم أهلية النفر كافة وشأنية ذلك ، أوليس لهم كافة قصد ذلك على قول بعض أهل الأدب ، ولا يستفاد منها النهي ، فإنّ النهي يستفاد من أمثال المقام إذا دخلت اللام على المنهي ، كقوله عزّ من قائل
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
« 1 » ، وأمّا إذا دخلت على الفعل مثل هذه الآية ومثل
ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
« 2 » و
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
« 3 » و
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
« 4 » فتدل على النفي .
هامش
- يكون الغزو نوبا .
وانظر هذا التفسير أيضا في قوانين الأصول 1 : 438 ، سطر 3 ، والفصول : 272 ، سطر 26 ، وفرائد الأصول : 79 ، سطر 5 .
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 120 .
( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 33 .
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 179 .
( 4 ) . النساء ( 4 ) : 168 .