تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في علم الأصول — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
الذي تصوره بعض الفلاسفة ، يشكّل دورا واضحا ، ونشير هنا بشكل مجمل إلى هذا : فمثلا قد يقال ، بأن هذه القاعدة ، يمكن إثباتها بالبرهان ، وذلك لأن الحادثة ، لو وجدت من دون علة ، ومن دون وجوب ، مع إمكان الوجود والعدم ، للزم ترجيح أحد المتساويين بلا مرجح ، وترجيح أحد المتساويين على الآخر ، بلا مرجح . محال ، إذن فلا يعقل أن توجد الحادثة ، إلّا إذا تبدل إمكانها بالوجوب بالغير . وهذا برهان ، لإثبات قاعدة ، أن الشيء « ما لم يجب لا يوجد » ، وهو غير صحيح في المقام ، وذلك . لأن نفس استحالة الترجيح بلا مرجح ، عبارة أخرى عن قانون العليّة ، لأن الترجيح بلا مرجح ، معناه ، أنه يوجد رجحان بلا سبب اقتضاه ، وهذا عبارة أخرى ، عن أن المعلول ، يوجد بلا علة « 1 » ، فكأنه برهن على قانون العليّة بقانون العليّة ، لأنك حينما تبرهن ، على أن الحادثة ، لا يمكن أن توجد ، إلّا إذا تبدّل إمكانها بالوجوب بالغير ، ووجدت العلة الموجبة ، فأنت بما ذا تبرهن على ذلك ؟ . ألا ترى أنه إذا وجدت الحادثة ، مع أنها ممكنة ، لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح ، وهذا عبارة ، عن لزوم وجود المعلول بلا علة ، فكأنك استدللت على مبدأ العلّية ، بأنه لولاه ، للزم وجود المعلول بلا علة ، وهذا مصادرة على المطلوب . فقانون العلّية ، ليس قانونا مبرهنا عليه بهذا العنوان ، وإنما هو قانون ، يتقبله العقل السليم والفطرة السليمة ، كقضية بديهية ، لا يبرهن عليها ، ومن هنا ، لا بدّ من الرجوع إلى الفطرة السليمة ، التي أدركت هذا القانون ، لتقول كلمتها في المقام .
هامش
( 1 ) الأسس المنطقية للاستقراء ص 54 - 56 - 63 .
بحوث في علم الأصول — صفحة 86 | السيد محمد باقر الصدر