الاعتراض الثاني ، كان مفاده ، أنه لازم هذا البيان أن يكون المعنى هو الموضوع عليه ، لا الموضوع له ؛ لكن صار واضحا ممّا بيناه ، أنّ اللفظ وضع على المعنى المستعمل فيه على إجماله ، ليدلّ عليه على إجماله ، فالموضوع له بحسب الحقيقة هو كون المعنى المستعمل فيه هو الحيوان المفترس ، فقد أصبح المعنى هو الموضوع له بهذا الاعتبار ، لا إنه متمحّض في الموضوع عليه .
وإن شئتم قلتم : بأن المعنى أصبح له لحاظان ؛ بما هو المعنى المستعمل فيه على إجماله ، يكون بمثابة المكان المخصوص على إجماله ، وبلحاظ أنه هو الحيوان المفترس ، يكون هو الموضوع له ، كما أن رأس الفرسخ هو الموضوع له .
إذن فالمعنى بأحد اللحاظين يكون هو الموضوع له ، فلا يبقى غرابة من هذه الناحية ، إذن كلا الاعتراضين لا يمكن المساعدة عليه بالنسبة لهذا الوجه .
نقض الوجه الأول :
وهذا الوجه غير صحيح ، ولا ينفع إلّا للتلاعب بالألفاظ ، ولقلقة اللسان ، وذلك لأنّ هذا الوجه يريد أن يجعل وضع اللفظ للمعنى اعتبارا للوضع الخارجي ، يقول : هنا أعتبر ذاك الوضع الخارجي في باب الأعلام ، فكما أنّ العلم هناك يكون دالّا ورأس الفرسخ مدلولا ، هنا كذلك ، الوضع الخارجي أوجده بالاعتبار .
وهذا إشكال واضح فإن الوضع الخارجي ليس بأشد وبأحسن حالا من الوضع الاعتباري ، ونحن إذا حاسبنا حساب الوضع الخارجي الحقيقي ، نجد أنّ وضع العلم على رأس الفرسخ ، ما لم ينضم إليه عناية من الخارج ، لا يدلّ على أن هنا رأس الفرسخ ، كما لو وضع الإنسان علما على رأس الفرسخ ، وهو نائم ، دون أن يكون لديه بناء كلي على أن يضع الأعلام على رؤوس الفراسخ ، حينئذ لا يكون وضع العلم على هذا المكان ، دليلا على رأس الفرسخ ، فالوضع بوجوده الخارجي التكويني ، ما لم ينضم إليه عناية نفسانية