تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 903

مساهمون:

ص٩٠٣
تمهيد مقدّمة لما نحن بصدده من بيان حقيقة الاجتهاد وحقّيّته ، وتزييف أقوال خرجت مخالفة له . فنقول : إذ ثبت ذلك وثبت فيما تقدّم أيضا « 1 » أنّه لا طريق إلى تحصيل القطع بالحكم من الأدلّة الشرعيّة ، بل الغالب حصول الظنّ به منها ، فالمستنبط إذا أراد استنباط حكم ، فلا بدّ له أن ينظر إلى أنّه من أيّ دليل يستخرج : من كتاب أو سنّة أو منهما أو من إجماع أو دلالة عقليّة ؟ فإن استخرج من كتاب أو سنّة أو منهما ، فلا بدّ أن يلاحظ أنّ استنباطه منهما يتوقّف على أيّ مقدّمات ، فيفعل على ما أدّى نظره فيها إليه ؟ وإن لم يكن فيهما ما يمكن استنباطه منه ويتوقّف « 2 » على ردّه إلى إجماع أو دلالة عقليّة ، فلا بدّ أن يردّه إليها ويفعل على مقتضى ما يوجبه رأيه فيهما ، وإن تعارضت فيه الأدلّة ، فينظر في وجوه التراجيح ويفعل ما يقتضيه نظره فيه . هذا هو حقيقة الاجتهاد ، ومن حصل له هذه المرتبة فهو المجتهد ، ووظيفته استنباط الأحكام عن أدلّتها التفصيليّة ، وغيره المقلّد ووظيفته الرجوع إليه . وهذا معنى قول المتشرّعة : الناس صنفان : مجتهد ، ومقلّد .

ثمّ إثبات حقّيّة الاجتهاد وتوقّف الاستنباط عليه يتوقّف على بيان أمور :

[ الأمر ] الأوّل : لا ريب في ثبوت التكليف وبقائه .

[ الأمر ] الثاني : لا شبهة في وجوب إطاعة اللّه وإطاعة حججه ، وهي لا تتحقّق إلّا بالإتيان بمرادهم ؛ لأنّ الأصل كون كلّ أحد مكلّفا بفهم مرادهم والعمل به .

ويدلّ عليه ورود النهي عن التقليد « 3 » ، ولمّا كان فيه « 4 » حرج عظيم وتعطيل أمور المعاش ، سقط وجوبه العيني بالكفائي ، فيجب على طائفة تحصيل ما يصلون به إليه . ويدلّ عليه ورود الأمر بالتفقّه ، كقوله تعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ
« 5 » الآية ، وقوله تعالى :
هامش
( 1 ) . تقدّم في ص 900 . ( 2 ) . في « ب » : « توقّف » . ( 3 ) . الزخرف ( 43 ) : 23 :إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ. ( 4 ) . أي في الاجتهاد . ( 5 ) . التوبة ( 9 ) : 122 .