تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 885

مساهمون:

ص٨٨٥
خبر واحد ؛ وإنّ قوله تعالى :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
« 1 » نسخ بقوله عليه السّلام : « لا تنكح المرأة على عمّتها ، ولا على خالتها » « 2 » ؛ وإنّ التوجّه إلى بيت المقدس كان متواترا ونسخ بخبر الواحد ؛ لأنّ أهل مسجد قبا سمعوا مناديه صلّى اللّه عليه وآله يقول : « ألا إنّ القبلة قد حوّلت » « 3 » فاستداروا وتوجّهوا إلى الكعبة ، ولم ينكر عليهم ؛ وإنّ النبيّ كان يبعث الآحاد لتبليغ الأحكام إلى أهل القبائل ، وكان المبعوث إليهم متعبّدين بقبولها منهم ، وربما كان في تلك الأحكام ما ينسخ متواترا ؛ لأنّه لم ينقل الفرق بين الأحكام المبتدأة والناسخة للواحد والمتواتر « 4 » . وأجاب الأكثر عن الأوّل : بأنّ التخصيص بيان وجمع للدليلين ، والنسخ إبطال ورفع . وربما أجاب بعضهم : بأنّ إجماع الصحابة فرّق بينهما « 5 » . وعن الثاني : بأنّ الظنّ لا يساوي القطع ، فلا يعارضه . وعن الثالث : بالمنع من النسخ المدّعى فيما ذكرتم ؛ لأنّ الآية الأولى لحكاية الحال ، فالمعنى : لا أجد الآن ، والتحريم في المستقبل لا ينافيه حتّى يلزم نسخه . وأيضا لا يلزم من عدم وجدان التحريم الإباحة الشرعيّة ، بل جاز أن يكون مباحا عقليّا ؛ فالخبر قد حرّم حلال الأصل ولم يرفع حكما شرعيّا حتّى يلزم النسخ . والآية الثانية ليست منسوخة بالخبر ، بل مخصّصة به ؛ على أنّ التخصيص لم يقع بمجرّد الخبر ، بل لأنّ الامّة تلقّته بالقبول . وأهل قبا إنّما قبلوا نسخ القبلة بخبر الواحد ؛ لانضمامه بالقرائن المفيدة للقطع ؛ لأنّ منادي الرسول بحضرته على رؤوس الأشهاد ، واستماعهم الصياح وارتفاع الأصوات من مسجده - لأنّهم كانوا في قربه - قرينة صدق عادة . وربما انضمّ إلى ذلك سماعهم من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم قبل ذلك ما يدلّ على تحويل القبلة .
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 24 . ( 2 ) . سنن البيهقي 7 : 165 ، وسنن النسائي 6 : 97 ، ح 3294 . ( 3 ) . مسند أحمد 4 : 201 ، ح 13620 . ( 4 ) . قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 160 . ( 5 ) . راجع الإحكام في أصول الأحكام 3 : 161 .
أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 885 | ملا محمد مهدي النراقي