قلت - مضافا إلى ما عرفت من عدم جواز اجتماعهما بوجه - : إنّ ما يجري فيه حديث الجهتين إن كان منهيّا عنه لوصفه اللازم ، فلا يمكن تعلّق النهي فيه بمجرّد مثل هذا الوصف لو كان الموصوف عبادة ؛ لأنّه لا يمكن الامتثال فيه ، فيلزم التكليف بالمحال .
وإن كان منهيّا عنه بوصفه المفارق وإن احتمل أن يرجع النهي إلى الوصف إلّا أنّه يحتمل أن يرجع حقيقة إلى الذات أيضا ، ويكون رجوعه ظاهرا إلى الوصف لنصب القرينة على إرادة باقي الأفراد - غير الموصوفة بالوصف المذكور - من الكلّي ، وعدم إرادة الكلّي من حيث هو .
فعلى الثاني يرجع النهي إلى عين الكلّي في هذا الفرد ، فلا يكون عبادة صحيحة .
وعلى الأوّل وإن كان المطلوب هو الكلّيّ من حيث هو ولا يلزم فساد هذا الكلّي الذي هو نفس العبادة ، إلّا أنّه يلزم عدم صلاحية الفرد المخصوص من حيث الخصوص للعبادة ؛ لأنّه من حيث الخصوص منهيّ عنه لعينه ، فيلزم فساده ويثبت منه المطلوب .
[ الوجه ] الثاني « 1 » : أنّها لو لم تفسد ، لزم من نفيها « 2 » حكمة يدلّ عليها النهي ، ومن ثبوتها « 3 » حكمة تدلّ « 4 » عليها الصحّة ، ويمتنع النهي مع تساوي الحكمتين ؛ لخلوّه عن الحكمة حينئذ ، أو مرجوحيّة حكمته ؛ لتفويته الزائد من مصلحة الصحّة ، ويمتنع الصحّة مع رجحان حكمة النهي ؛ لخلوّها عن المصلحة ، بل لفوات الزائد من مصلحة « 5 » النهي .
[ الوجه ] الثالث : أنّ السلف لم يزالوا يستدلّون على الفساد بالنهي في أبوابه « 6 » ، وبانضمام أصالة عدم النقل يثبت الدلالة اللغويّة .
وربما أورد عليه بأنّه لا حجّيّة في قول السلف ما لم يبلغ حدّ الإجماع ، وثبوته في محلّ طال فيه النزاع والتشاجر ممنوع .
والحقّ ، أنّ هذا الإيراد ساقط في النهي عن العبادات ؛ لثبوت الاحتجاج به على فسادها
هامش
( 1 ) . مرّ الوجه الأوّل في ص 686 .
( 2 و 3 ) . في « ب » : « نفيهما » .
( 4 ) . في « أ » : « يدلّ » .
( 5 ) . المراد بها هو الحكمة ، أي المفسدة .
( 6 ) . راجع منتهى الوصول لابن الحاجب : 100 .