والعزيمة لغة « 1 » : القصد المؤكّد . وعرفا : الحكم الثابت لا لعذر المشقّة والحرج .
فمباح الأصل ليس رخصة ؛ لأنّ جواز فعله ليس لأجل المشقّة والحرج .
وما قيل في تعريف العزيمة : بأنّها الحكم الثابت لا مع قيام المقتضي للمنع « 2 » ، يرد عليه :
أنّ مطلق التكليف عزيمة مع قيام المقتضي للمنع ، وهو « 3 » الأصل ؛ فإنّ الأصل عدم التكاليف .
ويمكن التوجيه بعناية ، فتأمّل .
وقيد الأخير في تعريف الرخصة لإخراج التكاليف كلّها ؛ فإنّها أحكام ثابتة ، وفي بعضها - بل في كلّها - قام ما يقتضي المنع ؛ لأنّ جميع التكاليف على خلاف الأصل ، لكنّ ثبوتها ليس لأجل المشقّة والحرج .
ثمّ إنّ الرخصة إمّا واجبة ، كوجوب أكل الميتة للمضطرّ . أو مندوبة ، كتقديم غسل الجمعة لخائف فقد الماء ، أو مكروهة ، كالتقيّة في المندوبات مع خوف الالتباس على العوامّ ، وعدم ظنّ الضرر . أو مباحة ، كاستعمال الأحجار في الاستنجاء مع وجود الماء بالشروط المعلومة ، وما ورد فيه الرخصة من المعاملات المخالفة للأصل ، كبيع العرايا « 4 » وأمثاله .
وقد يقع الاشتباه في بعض المواضع . وبعد ما عرفت الفرق لا يلتبس حقيقة الحال عليك .
وممّا وقع فيه الإشكال القصر في السفر ؛ فإنّه عزيمة عند أصحابنا « 5 » مع أنّ تعريف الرخصة يصدق عليه ، والآية الشريفة « 6 » أيضا تدلّ على ذلك . وبيّن الأصحاب عذرهم في ذلك في كتبهم الاصوليّة والفروعيّة « 7 » .
وزاد بعض آخر في خطاب الوضع التقدير « 8 » ، وهو أن يقدّر المعدوم كالموجود أو
هامش
( 1 ) . لسان العرب 12 : 399 ، « ع ز م » .
( 2 ) . راجع المحصول 1 : 120 .
( 3 ) . أي المقتضي للمنع عبارة عن استصحاب عدم التكليف .
( 4 ) . العرايا جمع العريّة ، وهي النخلة تكون في دار الإنسان . راجع لسان العرب 9 : 180 ، « ع . ر . ي » .
( 5 ) . راجع : الانتصار : 160 ، والنهاية : 122 ، والخلاف 1 : 569 ، وشرائع الإسلام 1 : 103 .
( 6 ) . وهي قوله تعالى :وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ،النساء ( 4 ) : 101 .
( 7 ) . راجع تمهيد القواعد : 47 ، القاعدة 7 .
( 8 ) . انظر الفروق للقرافي 1 : 161 .