تخطي إلى المحتوى الرئيسي

انوار الأصول — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
إرادتان إرادة استعماليّة وإرادة جدّيّة ، ففي الكنايات إذا قيل مثلًا « زيد كثير الرماد » نرى بوضوح وجود إرادتين لأنّ كلّ واحد من لفظي « زيد » و « كثير الرماد » استعمل في معناه الحقيقي بلا شكّ ، لكنّه لم يردّه المتكلّم جدّاً كما هو المفروض ، بل المراد الجدّي منهما هو سخاوة زيد ، فالإرادة الاستعماليّة تعلّقت بما وضع له اللفظ واستعمل فيه ، والإرادة الجدّية تعلّقت بشيء آخر خارج عن دائرة الوضع والاستعمال ، وهو سخاوة زيد ، فتخالف الإرادتان وافترقتا ، وكذلك في الأوامر الامتحانيّة ، لأنّ الطلب الظاهري فيها تعلّق بذبح إسماعيل مثلًا في قصّة إبراهيم عليه السلام ، لكن المراد الجدّي فيها هو امتحان إبراهيم عليه السلام كما لا يخفى . وبالجملة ، إنّ هاهنا ثلاث نكات لا بدّ من الالتفات إليها والتوجّه بها : الأولى : إنّ الأصل الأوّلي العقلائي اللفظي في باب الألفاظ هو تطابق الإرادتين وقد سمّي هذا بأصالة الجدّ ، ولا إشكال فيه . الثانية : إنّه لا تختلف الإرادتان إلّا لنكتة وداعٍ يدعو إليه . الثالثة : إنّ المدار في الحقيقة والمجاز هو الإرادة الاستعماليّة لا الجدّية ، ولذلك يعدّ الاستعمال في الكنايات استعمالًا حقيقياً ، لأنّ الإرادة الاستعماليّة فيها تتعلّق بالمعنى الموضوع له كما مرّ ، والتصرّف إنّما وقع في الإرادة الجدّية ، وهذا هو الفرق بينها وبين المجازات بناءً على مذاق المشهور من أنّ المجاز إنّما هو في الكلمة لا في الأمر العقلي الذي هو المختار . إذا عرفت هذا فاعلم : قد ذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى كون العام حقيقة في الباقي مطلقاً سواء كان المخصّص متّصلًا أم منفصلًا ، أمّا في المتّصل فاستدلّ بأنّه إذا كان المخصّص متّصلًا بالعام تستعمل أداة العموم حينئذٍ فيما هو معناها الحقيقي من استغراق تمام أفراد المدخول ، غاية الأمر إنّ دائرة المدخول مضيّقة من جهة التقييد ، فلا يتحقّق إخراج بالنسبة إلى أداة العام لكي نبحث في أنّه هل هو حقيقة في الباقي أو لا ؟ وأمّا في المنفصل فاستدلّ بأنّه وإن تحقّق فيه الإخراج بالنسبة إلى أداة العام إلّا أنّ ظهورها في العموم يكون دليلًا على استعمالها في العموم لا في الخصوص ، أي تعلّقت الإرادة الاستعماليّة بالعموم ، ويكون الخاصّ قرينة على إرادة الخصوص لبّاً وجدّاً ، وما تعلّقت بالخصوص إنّما هو الإرادة الجدّية فقط ، والمدار في الحقيقة والمجاز هو الإرادة الاستعماليّة لا الجدّية ( انتهى ) . وأورد عليه المحقّق النائيني رحمه الله : بأنّ « الإرادة الاستعماليّة إن أريد بها إرادة إيجاد المعنى