تخطي إلى المحتوى الرئيسي

انوار الأصول — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
كثير من الموارد ويخاطب الناس بقوله : « أفلا تتفكّرون » أو « أفلا تعقلون » وبقوله : ( الألباب » و ( هاتوا برهانكم » ولذلك اعترف كثير من الأخباريين بإدراك العقل للضروريات العقليّة واضطرّوا إلى استثنائها من مقالتهم ، وقد مرّ تفصيل الجواب عنهم في مباحث القطع وحجّية القطع الحاصل من طريق العقل فراجع . الأمر الثالث : إذا اجتمع عنوانان أو عناوين عديدة بعضها حسن وبعضها قبيح على شيء واحد كالدخول في الأرض المغصوبة « 1 » لإنقاذ الغريق فإنّه قبيح من جهة انطباق عنوان الغصب عليه ، وحسن من جهة انطباق عنوان الإنقاذ عليه ، فلا إشكال حينئذٍ في أنّ الفعل تابع لأقوى الجهات بعد كسر وانكسار أو يصير خالياً عن الحسن والقبح إذا كانت الجهات متساوية فلا يكون من باب اجتماع النقيضين ( كما توهّمه بعض واستكشف من طريق استحالته عدم حسن الأفعال وقبحها ذاتاً .

أدلّة المنكرين للحسن والقبح :

ثمّ إنّه استدلّ لعدم حسن الأفعال وعدم قبحها ذاتاً بوجوه واهية : منها : أنّه لو كان الحسن والقبح عقليين لزم الجبر في أفعال اللَّه تعالى ( سواء في ذلك أفعاله التكوينيّة أو التشريعية ) أي لزم أن يكون الشارع الحكيم مقيّداً في تشريعه للأحكام بهذه الأوصاف ، وهذا ينافي اختياره تعالى في أفعاله على الإطلاق . والجواب عنه واضح ، لأنّ الجبر في فعل شيء ، ووجود الصارف الاختياري عن ذلك الفعل شيء آخر ، فإنّ السلوك على وفق الحكمة وعدم التخطّي عمّا تقتضيه لا ينافي الاختيار ، لأنّ العاقل السويّ لا يقدم على شرب السمّ مثلًا وهو مختار مع أنّه قادر عليه ، فعدم وقوع الشرب منه لصارف لا ينافي قدرته واختياره بل هو بنفسه اختار عدم الشرب ، كما أنّ صدور فعل منه لداعٍ لا ينافي الاختيار ، وكذلك الحكيم تعالى .
هامش
( 1 ) وقد جاء التمثيل لهذا في بعض الكلمات بقول القائل : « سأكذب غداً » فإنّ كذبه غداً قبيح من باب قبح الكذب وحسن من باب الوفاء . ولكن يرد عليه أنّه مغالطة واضحة فإنّ وجوب الوفاء يختصّ بما إذا كان المتعلّق راجحاً .