تخطي إلى المحتوى الرئيسي

انوار الأصول — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
وقسم منها يكون مقتضياً وعلّة ناقصة لأحدهما في حدّ ذاته كالصدق الذي يقتضي الحسن ذاتاً ما لم يمنع مانع كما إذا أوجب القاء النفس في التهلكة . وقسم ثالث منها ليس علة تامّة للحسن أو القبح في حدّ ذاته ولا علّة ناقصة لأحدهما كذلك كالمباحات العقليّة ، فما يكون حسناً أو قبيحاً بالوجوه والاعتبار إنّما هو القسم الثاني والثالث لا الأوّل . ومن هنا يظهر الجواب عن كثير من الإشكالات الواردة في المقام التي لا طائل تحتها ولا حاجة إلى ذكرها . الأمر الثاني : لا إشكال في أنّ حكم العقل بالحسن أو القبح مقبول على حدّ الموجبة الجزئيّة لا الكلّية ، ولا يقول أحد بأنّ العقل يدرك جميع المصالح والمفاسد وما يتبعهما من الحسن والقبح ، ولذلك فإنّ دلالته على الأحكام الشرعيّة تكون في الجملة لا بالجملة . وإن شئت قلت : أنّ القضايا على ثلاثة أنواع : نوع منها يدرك العقل الحسن أو القبيح فيها بالضرورة والبداهة كقضيتي « العدل حسن » و « الظلم قبيح » . ونوع آخر يكون درك العقل للحسن أو القبح فيها بالاستدلال والبرهان كقضية « الصدق حسن » ولو أضرّ بمنفعة الشخص ، فيدرك حسن الصدق الضارّ بالتأمّل والنظر . ونوع ثالث منها لا يدرك العقل الحسن أو القبح فيها لا بالضرورة ولا بالتأمّل وذلك كما في جزئيات الأحكام الشرعيّة في أبواب العبادات وغيرها ، وبعبارة أخرى : يحتاج العقل في إدراكه للحسن أو القبح فيها إلى توسّط من الشرع لأنّه يتوقّف على درك المصلحة أو المفسدة وعللها ، وهي أمور خارجيّة لا طريق للعقل إلى الحصول عليها إلّا من طريق الشرع ، وهذا نظير إدراك العوام لمضارّ الأدوية ومنافعها فإنّ إدراكهم لها جزئي صادق في جملة من الأدوية ، وأمّا في غيرها فيحتاجون إلى نظر الطبيب . ومن هنا يظهر الجواب عن استدلال الأخباريين ببعض الرّوايات الدالّة على قصور العقل في إدراكه لمصالح الأحكام ومفاسدها كقوله عليه السلام « إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول » أو قوله عليه السلام « وما أبعد عقول الرجال عن دين اللَّه » فإنّ الظاهر أنّ هذه الرّوايات ناظرة إلى الغالب والقسم الثالث من القضايا ، ولا تدلّ على نفي الإدراك مطلقاً ، كيف والشارع بنفسه يستدلّ بالعقل في