تخطي إلى المحتوى الرئيسي

انوار الأصول — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
النفسانيّة ليست واقعة تحت اختيار النفس حتّى توجدها في أي وقت شاء » « 1 » . أقول : الحقّ أن التعبّد الحقيقي بما لا يعلم أنّه عبادي أمر ممكن كما هو المعروف في الألسنة والكتب الفقهيّة لأنّه من قبيل قوله تعالى « وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ » فلا إشكال في أنّ فرعون مثلًا كان كافراً باللَّه تعالى مع علمه به ، وليس هذا إلّا أنّه بنى في قلبه والتزم قلباً بأنّه ليس في العالم إله يسمّى ب « اللَّه » ، هذا في الأصول الاعتقاديّة ، وكذلك في الفروع فيمكن الالتزام القلبي بأنّ الشيء الفلان حرام مع العلم بحلّيته . وإن شئت قلت : ليس التشريع هو العلم بل هو اعتقاد وعقد في القلب ، والاعتقاد غير العلم لأنّ العلم ، هو مجرّد الإدراك ، وأمّا الاعتقاد فإنّه من عقد القلب والبناء القلبي ، وكم من شيء يعلمه الإنسان ( أي يدركه ) ولكن لا يقبله ولا يلتزم به في قلبه وبالعكس . وبعبارة أخرى : عقد القلب هو التسليم الباطني تجاه شيء ، علم به أو لم يعلم ، كما يدلّ عليه ما مرّ سابقاً ، وهو ما رواه إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا عليه السلام في حديث طويل قال : أخبرني أبي عن آبائه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : « من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، . . . إلى أن قال : فإنّ أدنى ما يخرج به الرجل عن الإيمان أن يقول للحصاة ، هذه نواة ثمّ يدين بذلك ويبرأ ممّن خالفه ، يا ابن أبي محمود احفظ ما حدّثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا والآخرة » « 2 » . هذا كلّه في الأمر الأوّل . أمّا الأمر الثاني : وهو الدليل على حرمة التشريع ، فيدلّ عليها أوّلًا : جميع ما يدلّ على حرمة البدعة من الإجماع والآيات والأخبار الواردة في باب البدعة وتحريمها لأنّ التشريع مصداق من مصاديقها . وثانياً : حكم العقل بقبح التشريع ، لأنّ من المستقلّات العقليّة أنّ التشريع نوع تلاعب بأحكام المولى ومخالف لحقّ الطاعة ورسم العبوديّة . أمّا الأمر الثالث : وهو أنّ المحرّم هل هو خصوص التديّن والالتزم القلبي أو يسري قبح التشريع إلى الفعل المتشرّع به بحيث يصير الفعل قبيحاً عقلًا وحراماً شرعاً ؟ فذهب المحقّق النائيني رحمه الله إلى الثاني وقال : « إنّه من الممكن أن يكون القصد والداعي من الجهات والعناوين
هامش
( 1 ) راجع تهذيب الأصول : ج 2 ، ص 85 ، طبع جماعة المدرّسين . ( 2 ) وسائل الشيعة : الباب 10 ، من أبواب صفات القاضي ، ح 13 .